يزداد المحدَثُ من هذا السماع، ويكثر الحدَثُ فيه، ويزداد التغليظُ من أهل الإنكار، حتى آل الأمر إلى أنواع من التفرق والاختلاف والمعاداة. ومن ثبَّته١ الله بالقول الثابت أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، وحفظَ حدودَ الله فلم يَعتدِها٢، ومن يتعدَّ٣ حدودَ الله فقد ظلم نفسه.
وحصلت الزيادةُ في جميع [٩٦ ب] أنواع البدع، وازدادت على الأيام تغليظًا، فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق، والخوف٤ والخشية، والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع.
ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ
(١) ع: "يثبته".
(٢) "فلم يعتدها" ليست في ع.
(٣) في الأصل: "ولم يتعد".
(٤) "والخوف" ليست في الأصل.
وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مَجْمَعُ المنخنقة١ والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنَّهم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: "هو من إحداث الزنادقة"، وقال أحمد: "بدعة".
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله [٩٧ أ]ﷺ المتشبّهين من الرجال بالنساء٢.
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان٣ عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.
(١) ع: "للمنخنقة".
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٨٨٥) عن ابن عباس.