ويقودها بها١ إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه٢ هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكةً لهم لصيدِ٣ الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلًا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص:
فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ٤
وإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية٥، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ٦، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق٧ الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة
(١) "بها" ليست في ع. والضمير للشبكة.
(٢) في النسختين: "نسبة". وضمير المفعول للاجتماع المذكور سابقًا.
(٣) ع: "ليصيدوا".
(٤) ع: "الخير" تصحيف. وتمام البيت لابن المعتز في ديوانه (٣/ ٤٩): فكان ما كان مما لستُ أذكره ... فظُنَّ خيرًا .....................
(٥) في الأصل: "الثايغة".
(٦) ع: "المصنعات" تصحيف.
(٧) في الأصل "طايق". والمثبت كما في ع و"الاستقامة" (١/ ٣٠٧) و"مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٩٩).
حول القمر، وأداروا عليهم من الأعين النِّطاق. فللشيطان لا للهِ كم من١ زَعْقةٍ وصَرْخةٍ وزَفْرةٍ وأنَّةٍ وحَسْرة ووَجْدٍ وأسفٍ وحزنٍ، وكم من قلوبٍ تُشقَّق قبل الجيوب، وعبراتٍ تُسكَب في غير رضا علام الغيوب، فيا لها حضرةً ما أحبَّها إلى الشيطان! وما أبغضَها إلى الرحمن!
ويتزايد الأمر حتى يُغنُّوا بأشعارٍ طالما عُصِيَ الله بها في الأرض، من أشعار الفسّاق والفجّار، المتضمنة لتهييجِ النفوس على ما يُبغِضه الله٢ ويَمقُت عليه، ومدْح ما حرَّمه ولعنَ فاعله، والابتهاجِ به، والافتخارِ [٩٨ أ] بنيله، والتَبجُّح٣ بالوصول إليه. وربما تعدَّوا ذلك إلى الغناء بالأشعار الكفرية التي تُحادُّ ما أنزل الله، كأشعار أهل الإلحاد من الاتحادية والحلولية، والأشعار المتضمنة لكثير من ألفاظ القرآن، كقوله:
قمتُ ليلَ الصُّدودِ إلا قليلاثمّ رتَّلتُ ذِكرَكم ترتيلَا