ثمّ يتفاقم أمره إلى أن يشتمل على ما يتضمن الكفر بالرحمن، والاستهزاء بالقرآن، والطعن في أهل الإيمان، والاستخفاف بالأنبياء والمرسلين، والتحضيض على جهاد المؤمنين١، ومعاونة الكفار والمنافقين، واتخاذ المخلوق إلهًا من دون رب العالمين، وجعل ذلك من أفضل أحوال العارفين. ويفعلون في هذا السماع ما لا يفعله اليهود ولا النصارى ولا الصابئة ولا المجوس.
فصار السماع المحدث دائرًا بين الكفر والفسوق والعصيان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله، وكفره من أعظم الكفر وأشدِّه، وفسوقه من أعظم الفسوق وأبلغه، فإنَّ تأثيره في النفوس من أعظم التأثير يُغذّيها ويُغنيها، ولذلك سُمِّي غناءً، ويُوجب للنفوس أحوالًا عجيبة يظن أصحابها أنها من جنس كرامات الأولياء، وإنما هي من الأمور الطبيعية٢ المُبعِدة عن الله، والشيطان يَمُدُّ أصحابَها في هذا السماع بأنواع الأمداد، كما قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾[الأعراف: ٢٠٢]، وقال للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾[الإسراء: ٦٤].
وصار في أهل هذا السماع المحدَث الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ضدَّ ما أحبه الله وشرعه من دينه الحق، الذي بعثَ به رسله وأنزل
(١) ع: "المرسلين".
(٢) ع: "الطبعية".
به كتبه، من عامة الوجوه. [٩٩ أ] إذ صار مشتملًا على أكثر ما حرَّمه الله ورسوله، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: ٣٣]، فاشتمل هذا السماع على هذه الأمور الأربعة التي هي قواعد المحرمات، فإنَّ فيه من الفواحشِ الظاهرة والباطنة والإعانة على أسبابها، والإثمِ والبغي بغير الحق، والشركِ بالله ما لم يُنزِّلْ به سلطانًا، والقولِ على الله بغير علمٍ= ما الله به عليم، فإنَّه تنوعَ١ وتعددَتْ طرقه، وتفرق أهله فيه وصاروا شِيعًا، لكل قوم ذوقٌ ومشربٌ وطريق يُفارِقون به غيرهم، حتى في الأشعار والألحان والحركات والأذواق، وصار من فيه من العلم والإيمان ما ينهاه عما فيه من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، يريد أن يَحُدَّ له حدًّا يَفصِل فيه بين ما يَسُوغ منه وما لا يسوغ، فلا يكاد ينضبط له٢، حتى إنَّ منهم مَن شرطَ شروطًا تتعذرُ ويندُر وجودها، حتى إنَّه اجتمع مرة ببغداد في حال عمارتها ووجود الخلافة بها أعيانُ الشيوخ الذين يحضرون السماع المصُونَ، فلم يجدوا من يصلح له إلا ثلاثةُ نفرٍ أو أربعة.
وسبب هذا أنَّه ليس من عند الله، فوقع فيه الاضطراب والاختلاف، وصار أهله من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيَعًا، كل حزبٍ