داخلَ السترة يَقطَع صلاتَه بالنص١، ومسُّ المرأة لشهوةٍ ينقض الطهارة عند الجمهور، ومطلقًا عند الشافعي.
فإذا كان هذا في النظر والمباشرة المباح في غير حال العبادة، نهى الله عنه حالَ العبادة لمنافاته لها، فكيف بالنظر إلى الصور المحرمة من الرجال والنساء؟ والاستمتاع بأصواتهن٢ إذا كانوا هم المغنين؟ ولا يتم واجب السماع عند القوم إلا بذلك، وإلا كان سَمِجًا باردًا، فحضور الشاهد في السماع من باب ما لا يتمُّ الواجب إلا به عندهم.
وقد كان بعضهم يصلي بالليل وقد أوقد شمعةً على وجهِ أمردَ مليحٍ٣ جميلِ الصورة، يَسْتَجلي محاسنَه في الصلاة، ويجد في قلبه من الباعثِ على الصلاة [١٠٠ ب] والسَّهَرِ في العبادة٤ أمرًا عجيبًا، ويَعُدُّ٥ ذلك من عباداته وقُرُباتِه. ولا ريب أن النفس تتحرك عند رؤية الصورة الحسنة وسماع الصوت الحسن ما لا تتحرك لغيرهما، فالأحوال والهمة التي يُثيرها سماعُ الألحان بمنزلة الأحوال والهمة التي يُثيرها استجلاءُ محاسن الصور سواء، وللشيطان بَراطيلُ ومَداخلُ، فيُلقِي في قلب
(١) أخرجه مسلم (٥١١) عن أبي هريرة، وفي الباب أحاديث أخرى.
(٢) ع: "بأصواتهم".
(٣) "مليح" ليست في ع.
(٤) "في العبادة" ليست في ع.
(٥) ع: "يعدد".
الرجل أنك لا تَنظُر للفسق، ولا تسمع لِلَّهو، وإنما تنظر للعبرة، وتتذكر ما أعدَّ الله لعباده وأوليائه عند لقائه من الصور المستحسنات. فاستدل بالشاهد على الغائب، وعلى الباقي بالفاني، ألا ترى إلى قول القائل فيمن يحبه:
فإذا رآك العابِدونَ تيقَّنُواحُورَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ١
ويقول له٢: إنما تسمع٣ أيضًا للفكرة والعبرة، وتأخذ من السماع ما لا يأخذ غيرك.
وأخبرني غير واحد ممن يجد من حاله وقلبه وهمَّته عند هذا٤ السماع وعند رؤية الصور الجميلة ما لا يجده في غيره، فحركة القلب عند السماع كحركته عند رؤية الصور التي أمر٥ الله أن يغضَّ بصره عنها، فهل يقول عارفٌ باللهِ وأَمْرِه أن هذه الحركة بالله ولله؟ كلّا والله، إن هي إلا بالنفس وللشيطان، وغايتُها أن تكون حركةً ممزوجةً مركبةً مما لله وللنفس والشيطان، هذا أعلى مراتبها.
والذي يَكشِفُ لك قِناعَ هذه المخبَّأَة ويُسْفِرُ لك عن وجهها: أنك
(١) البيت لأبي إسحاق الصابي في يتيمة الدهر (٢/ ٢٥٩). وسبق مع بيت آخر.