الثامن: ما يقارنه من حركات النفوس المختلفة، والأصوات المنكرة، والحركات العظيمة التي لا يُمكن ردُّها ودفعها بعد قيام موجبها التام، كما لا يمكن دفعُ السُّكْر عن النفس بعد تعاطي أسبابه.
التاسع: أنه مُضادٌّ لمقصود الصلاة وذكر الله، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والسماع يأمر بالفحشاء والمنكر، ومَن أنكر ذلك بلسانه فقلبه أعلم. وأهل هذا السماع يعلمون من نفوسهم من الفحشاء والمنكر ما يعلمونه، ولهذا يتقاضى من كل أحد من الفواحش بحسب استعداده، فيتقاضى من بعض هؤلاء صحبةَ الأحداث الحِسان الصور ومشاهدتَهم ومعاشرتَهم، وتمتلئ قلوبهم من١ عشقهم وتألُّههم، ويُبرطِلُهم إبليسُ بالعفة عن الفجور بهم، وقد ظَفِرَ منهم بما هو أحبُّ إليه من فجورهم بهم بكثير، فإنه قد جعلهم تماثيل بين القلب٢ وبين الله، فهم لها عاكفون بقلوبهم. وصاحب الفجور الذي قد قضى شهوته، وفرغ قلبه، ولم يجعل تلك الصورة تمثالًا بين قلبه وبين الله، أحسنُ حالًا منهم.
فليتدبر اللبيب هذه اللطيفة، وليتضرَّعْ٣ إلى مقلِّب القلوب
(١) ع: "تميل قلوبهم إلى".
(٢) ع: "القلوب".
(٣) في الأصل: "وليصرخ".
ومصرِّفها أن يُثبِّت قلبَه على دينه، ويُصرِّفه على طاعته.
وقد ثبت في الصحيح١ عن النبي ﷺ أنه قال: "العينانِ تزنيان وزناهما النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرِجْل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه". فجعل لكل [١٠٣ أ] عضو من هذه الأعضاء زِنًا يخصُّه، فكيف يتقرب إلى الله بزنا العين؟
وإن قال الناظر: أنا لا أنظر لشهوة بل لعبرة.
قيل له: فلِمَ نهاك الله عن النظر، وأمرك بغضِّ البصر؟
وقيل له: أمّا ما دامت النفس حيةً، والشيطان موجودًا، والطباع على حالها، فكلَّا.
وقيل له: صاحبُ الشرع أعلمُ بأحكام هذا النظر منك، حيث يقول: "لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرى"٢.
(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣) ومسلم (٢٦٥٧) عن أبي هريرة.
(٢) أ خرجه أحمد (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢، ٣٥٧) وأبو داود (٢١٤٩) والترمذي (٢٧٧٧) وقال: حسن غريب، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٩٤) وصححه على شرط مسلم والبيهقي في "السنن" (٧/ ٩٠) عن بريدة. وفي إسناده شريك النخعي وهو سيء الحفظ. والحديث حسن، لوروده من طريق آخر، أخرجه أحمد (١/ ١٥٩) والدارمي (٢٧٠٩) وابن حبان (٥٥٧٠) والحاكم (٣/ ١٢٣) عن علي.