مسألة السماع

والصورة أسرعُ تأثيرًا فيها من النار في يابس الحطَب، حتى إنها لتتقوَّتُ بذلك أحيانًا. وبهذا رضيَ الشيطانُ من هذه الطائفة، فإنه١ لم يُبالِ [١٠٣ ب] بعدَ أن٢ أوقعهم فيما يُفسِد قلوبَهم وأسماعَهم وأبصارهم، أن لا يَشْغَلَهم بجمع٣ الأموال وطلب الجاه والولايات، فإن فتنة أحدهم بذلك أعظمُ من فتنته بهذه الأمور، فإن جنس هذه الأمور مباح، وقد يُستعان بها على طاعة الله، وأمّا ما شَغَلَ به هؤلاءِ نفوسَهم، فإنه دينٌ فاسد منهيٌّ عنه، مضرته راجحة على منفعته.

ولو لم يكن في هذا السماع من المفسدة إلا تشبُّه الرجال بالنساء، فإن الغناء في الأصل إنما جُعِل للنساء، ولذلك ما شُرِع منه في الأعراس والأعياد إنما شرع للنساء والجواري والصغار والولدان الحديثي الأسنان، فإذا تشبَّه بهم٤ الرجل كان مخنَّثًا، وقد لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال٥. وكذلك من يحضرون في السماع من الشاهد فيهم من التخنيث بقدر ما تشبَّهوا به من أمر النساء، وعليهم من اللعنة بقدر نصيبهم من ذلك التشبه. وقد أمر النبي ﷺ بإخراج المخنثين

  1. (١) في الأصل: "فإن".
  2. (٢) "أن" ليست في ع.
  3. (٣) ع: "بجميع".
  4. (٤) ع: "بهن" وتحتها "بهم".
  5. (٥) أخرجه البخاري (٥٨٨٦، ٦٨٣٤) عن ابن عباس.
275

ونَفْيهم، وقال: "أخرِجُوهم من بيوتكم"١، فكيف بمَن يُقرِّبهم ويُعظِّمهم ويتعبد قلبه بهم٢، ويجعلهم طواغيتَ يُعظَّمون بالباطل الذي حرَّمه الله ورسوله، وأمر بعقوبة أهله وإذلالهم؟ وهل هذا إلا مضادَّةٌ لله في أمره! وقد قال ﷺ: "مَن حالتْ شفاعتُه دون حدّ من حدود الله، فقد ضَادَّ اللهَ في أمره"٣.

فإذا كان هذا في الشفاعة بالكلام، فكيف بمَن يُعظِّم المعتدين لحدود٤ الله ويُعِينهم على٥ ذلك ويجعله دينًا؟

لاسيما إذا كان التعظيم بما هو من جنس الفواحش، فإن مَن يُعظِّم القيناتِ المغنيات والمغنّين ويجعل لهم نوعَ رئاسة وعزّ لأجل ما يستمتع [١٠٤ أ] به منهن من الغناء وغيره، فقد تعرض من غضب الله ومَقْتِه وسَلْبِ نِعَمِه عنه إلى أمر عظيم. وللّهِ كم زالت بهؤلاء نعمة عمَن أنعم الله عليه فما رعاها حقَّ رعايتها، وقد شاهد الناس من ذلك ما يطول وصفه، وما امتلأت دار من أصوات هؤلاء وألحانهم وأصوات معازفهم

  1. (١) ضمن الحديث السابق.
  2. (٢) ع: "لهم".
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢/ ٧٠) وأبو داود (٣٥٩٧) والبيهقي في السنن (٦/ ٨٢ و٨/ ٣٣٢) عن ابن عمر. وصححه الحاكم (٢/ ٢٧)، ووافقه الذهبي. وروي موقوفًا، وهو أصح. انظر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٨٣) وعلل الدارقطني (١٣/ ١٠٨).
  4. (٤) ع: "بحدود".
  5. (٥) في الأصل: "في".
276

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي