مسألة السماع

النبي ﷺ يستمع لقراءته وقال: "مررتُ بك البارحةَ وأنت تقرأ، فجعلتُ أستمع لقراءتك"، فقال: لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا. وقال: "لقد أوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود"١.

وأما استعمال النعم في المباح المحض فإنه لا يكون طاعةً، فكيف في المكروه أو المحرم٢؟

وأيضًا فمن المعلوم أن المال نعمة، والجمال نعمة، والقوة نعمة، فهل يسوغ لأحد أن يقول: كون ذلك نعمةً يقتضي جوازَ استعمالها فيما لم يأذن له فيه ربُّ النعمة؟ وهل الاستدلال بهذا إلا بمنزلة الاستدلال بنعم الله من السلطان والمال والقوة، على ما تتقاضاه الطباع من الظلم والفواحش ونحوها؟ فاستعمال الصوت الحسن في الأغاني، بمنزلة استعمال الصورة الحسنة في الفواحش، واستعمال الجاه والمال في الظلم والعدوان.

وأيضًا فإن هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع [١٠٦ أ] من الكفر والفسوق أكثر مما٣ يستعملها المؤمنون في الإيمان، فإن استمتاع الكفار والفساق بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع٤

  1. (١) سبق تخريجه (ص ٢٤٢).
  2. (٢) ع: "الحرام".
  3. (٣) في الأصل: "وأكثر ما".
  4. (٤) في الأصل: "استعمال استمتاع".
282

المسلمين، فإن عند المسلمين من وازعِ الإيمان والعوض بالقرآن ما ليس عندهم، فأي حمدٍ لهذه النعم بذلك إن لم يستعمل في طاعة الله؟

وقولك: إن الله ذمَّ الصوت الفظيع، فغلطٌ بيِّن، فإن الله سبحانه لا يذمُّ العبد على ما ليس من كسبه وفعله، كما لا يذمُّه على دَمامتِه وقُبْح١ شكله، وإنما يذمُّ العبد٢ بأفعاله الاختيارية دون ما لا اختيار له فيه. وإنما ذمَّ سبحانه ما يكون باختيار العبد من رفع الصوت الرفيع المنكر، كما يوجد ذلك في أهل الغِلَظ والجفاء من الفدَّادين والصخَّابين بالأسواق، كما قال النبي ﷺ: "الجفاء والغِلَظُ وقسوةُ القلب في الفدَّادين من أهل الوبر"٣. وهم الصياحون صياحًا منكرًا. وفي صفة النبي ﷺ: "ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ في الأسواق"٤.

وقال تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فأمره أن يَغُضَّ من صوته وأن يَقصِدَ في مشيه، كما أمر المؤمنين أن يغضُّوا من أبصارهم، وأصحابُ السماع لا هذا ولا هذا ولا هذا، بل إطلاق البصر ورفع الأصوات٥ والرقص.

  1. (١) تكررت "وقبح" في الأصل.
  2. (٢) "العبد" ليست في ع.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٨) ومسلم (٥١) عن أبي مسعود.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٤٨٣٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: في التوراة ...
  5. (٥) ع: "الصوت".
283

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي