في هذا مما يدل على الأحكام الشرعية من كونه مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا أو كون الغناء طاعة وقربة؟ وهل هذا إلا نظير قول القائل: استلذاذُ النفوس للوطءِ أمر لا يمكن جحوده، ولذلك استلذاذها١ بالنظر والمطاعم والمشارب والملابس، فأي دليل في هذا لمن هداه الله على٢ ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به ويأذن فيه؟ وهل هذا إلا شبهة الإباحية الذين خَلَعُوا رِبْقةَ الشريعة من أعناقهم، القائلين: ما الذي حالَ بين الخليقة وبين رسوم الطبيعة؟ ومن المعلوم أن جميع هذه الأجناس فيها الحلال والحرام والمعروف والمنكر.
ثم المناسب لطريقة الزهد والفقر والتصوف الاستدلالُ بذلك٣ على كراهتها والبعد منها، وأن يستدل بكون الشيء لذيذًا مشتهًى على كونه مباينًا لطريق الإرادة والتصوف التي مبناها على الزهد في الحظوظ، وهذه الطريقة وإن لم تكن صحيحة في الشرع فهي أقرب إلى طريقتكم وأصولكم من الاستدلال بها على الإباحة والقربة، وكلا الاستدلالين باطل، فكون الشيء لذيذًا أو مشتهًى أو مما تستروح إليه النفوس لا يدل على كونه حلالًا ولا حرامًا، ولهذا ذمَّ الله من اتبع الشهوات وذمَّ من تقرب إليه بترك ما أباحه منها، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا
(١) في الأصل: "استلذوها".
(٢) في الأصل: "إلى".
(٣) "بذلك" ليست في ع.
طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. وقال النبي ﷺ للنفر الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أفتر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم [١٠٧ ب] فقال: "لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكلُ اللحمَ، فمن رَغِبَ عن سنتي فليس مني"١.
والعمل لا يُمدح أو يُذَمّ بمجرد اشتماله على اللذة وعدمها، بل إنما يمدح منه ما كان للهِ أطوعَ، ولعامله في الدارين أنفعَ، سواء كان فيه لذة أو مشقة، فكم من لذيذ هو طاعة ومنفعة، وكم من مُشِقّ هو معصية ومضرة وبالعكس. والمناسب أن يُستدل بهذا على تحسين الصوت بالقرآن لا على تحسينه بالغناء، فإن الاستعانة بجنس اللذات على الطاعات والقربات مما جاءت به الشريعة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾[المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[البقرة: ١٧٢].
وفي الصحيح٢: "إن الله ليرضَى عن العبد يأكل الأَكْلةَ يحمده عليها، ويشرب الشَّربةَ يحمده عليها". فيرضى عمن استعان باللذات
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) عن أنس بن مالك.