بأحب إليه منه١، كلامًا نزَّه الله رسولَه وأولياءه٢ عنه، وجعله صلاةً للمشركين وقرآنًا لهم٣، وقرآنًا لعدوه الشيطان، ورقيةً لمحارمه٤، ومادةً للنفاق. وما أحرى هذا أن يكون من الذين يقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨].
[١٠٩ أ] ونظيرُ هذا سواءً ما وقع فيه طوائف من الجهال ممن ينتسب إلى معرفة وإرادة وزهد، من الاستدلال بكون الجمال نعمةً على جواز التمتع بالصور الجميلة مشاهدةً ومباشرةً٥ وعشقًا، فهؤلاء في الصور، وأولئك في الأصوات، لكنِ الواقعون في فتنة الصوت منهم٦ من له من العقل والدين والمعرفة ما ليس في الواقعين في فتنة الصور٧، فإنَّه ليس في أهل الصور رجلٌ مشهور بين الأمة بعلم ودين وسلوك وخير، بخلاف أهل الأصوات، ولكن أهل الأصوات طَرَّقُوا لأهل الصور الطريقَ،
(١) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٨) والترمذي (٢٩١١) عن أبي أمامة. وفيه: "وما تقرَّب العِبادُ إلى الله بمثل ما خرجَ منه". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره. وانظر "السلسلة الضعيفة" (١٩٥٧).
(٢) في النسختين: "ورسوله وأولياه".
(٣) "وقرآنا لهم" ساقطة من ع.
(٤) ع: "لمحاربته".
(٥) في الأصل: "منشارة".
(٦) ع: "فيهم".
(٧) ع: "الصورة".
ونَهَجُوا لهم السبيلَ، ونَقَطُوا لهم فخطُّوا، وارتادوا لهم المنازلَ فحطُّوا، وطيَّبوا لهم السيرَ فساروا، وجدُّوا١ بهم إلى مطارح الجمال فطاروا، ودَبْدَبُوا٢ لهم فطاب لهم اللعب، وغنَّوا لهم فاستفزَّهم إلى المليح والمليحة الطربُ، ووصفوا لهم سمرَ القدود ووردَ الخدود وتفلُّكَ النهود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادَوا: "حيَّ على الوصال" فما وصلُ الحبيب بمحظور، فأجاب٣ القوم مناديَ الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسَهم بالغَبْن وبذلوها في مرضاةِ الصور الجميلة بذلَ المحبِّ أخي سماح٤، تاللهِ ما حَمِدُوا عقبى سيرِهم لما حَمِدَ القومُ السُّرى عند الصباح٥.
ولقد رأيتُ من هؤلاء من يحتجُّ بقوله: "إن الله جميل يحب الجمال٦ "٧، وينسى قوله: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"٨، وينسى قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ