فقال: "لا إن شاء الله". وهو حديث وضعه على رسول الله ﷺ بعض الفساق كما تقدم٢.
ويحتجون بأنَّ العشق والمحبة غير داخلٍ تحت الاختيار، ولا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه، وما كان هكذا فإنَّ الله لا يُعذِّب عليه. وينسَون أنَّ تولُّعَهم به وتعاطِيَهم لأسبابه مقدور، وبه يتعلق التكليف، فلما خانت أعينُهم وتمنَّتْ أنفسُهم وأتبَعُوا النظرةَ النظرةَ تمكَّن داء العشق منهم، فعزَّ على الأطباء دواؤه، كما قيل:
تولَّع بالعشق حتى عَشِقْفلما استقلَّ به لم يُطِقْ
رأى لُجَّةً ظنَّها مَوجةًفلما توسَّط٣ منها غَرِقْ٤
(١) ع: "ينشد".
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ع: "تمكن".
(٤) البيتان من أربعة أبيات من إنشاد ابن نحرير البغدادي في ذم الهوى (ص ٥٨٦) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (١٠/ ٦٦). وذكرهما المؤلف في روضة المحبين (ص ٢٢٥) وا لداء والدواء (ص ٤٩٨).
[١١٠ ب] ويُكرِمون صاحب الصورة المليحة على ما يبذل لهم من صورته وشهوده وتوابع ذلك، كما يُكرِم أصحاب السماع ذا الصوت الحسن على ما يبذل لهم من صوته، وإن اجتمع فيه الأمران نال عندهم من الكرامة أعلاها ومن الحُظْوة منتهاها، ولهذا إذا رأى هؤلاء من جمع بين الصورة الجميلة والصوت اللذيذ من غلامة وغلام، عكفوا١ بقلوبهم وهِمَمِهم عليه، وانقادتْ أسرارهم وجوارحهم إليه، وشَقُّوا عليه القلوب قبل الجيوب، وبذلوا في مرضاته كل مطلوب. وقد زيَّن الشيطان لكثير من هؤلاء أنَّ عشق الصور٢ الجميلة إذا لم يقارنه فاحشة محبة محمودة، وأنها محبة لله وفي الله، وهم نظير أصحاب الأصوات المطربة، فالطائفتان "رَضِيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما"٣.
والعارف يعلم أنَّ هذا أعظم من مواقعة الكبيرة، فإنَّها معصيةٌ أدنى أحوالِه أن يَذُمَّ نفسَه ويلومَها عليها، ويخاف مقتَ الله وغضبه ولعنته، وأما هذا فمتقرب متعبد بالعكوف على تمثال الجمال، وقد حال بين قلبه وبين ذي العظمة والجلال. فأين مؤمنٌ فاسق قد جمع سيئةً وحسنةً، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا،
يخاف ذنوبًا لم تَغِبْ عن وليِّهويرجوه فيها فهو راجٍ وخائفُ٤
(١) في الأصل: "علقوا".
(٢) ع: "الصورة".
(٣) شطر بيت سبق تخريجه. وفي الأصل: "رضيع لبان".
(٤) البيت لعبد الله بن محمد بن يوسف (ابن الفرضي) في "بهجة المجالس" (١/ ٣٨٠) و"الآداب الشرعية" لابن مفلح (٢/ ٣٣) و"نفح الطيب" (٢/ ١٢٩).