جاءت مسألته خُدوشًا أو كُدوحًا في وجهه يوم القيامة"١. وقال: "أولُ زُمرةٍ٢ تَلِجُ الجنةَ على صورة القمر ليلة البدر، ثمّ الذين يَلُونهم كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءةً"٣. وأمثال هذا كثير مما فيه وصف وجوه أهل السعادة بالحسن والبهاء والجمال٤ والنضرة، ووجوه أهل الشقاوة بالقبح والسواد والوحشة والسوء.
وأظهر هذه السِّماتِ على الوجوه سِمَةُ الصدق والكذب، فإن الكذاب يُكسَى وجهُه٥ من السواد بحسب كَذِبه، والصادق يُكسَى وجهُه من البياض بحسب صدقه. ولهذا رُوِي عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزير شاهد الزور بأن يُسوَّد وجهُه، ويُركبَ مقلوبًا على الدابة٦، فإن العقوبة من جنس الذنب، فلما سَوَّد وجهَه بالكذب وقَلَبَ الحديثَ سُوِّد وجهُه وقُلِبَ في ركوبه، وهذا أمر محسوس لمَن له قلب، فإن ما في
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٨) وأبو داود (١٦٢٦) والترمذي (٦٥١) والنسائي (٥/ ٩٧) وابن ماجه (١٨٤٠) عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث.
(٢) ع: "زمودة" تحريف.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٤٦، ٣٢٥٤)، ومسلم (٢٨٣٤) عن أبي هريرة.
(٤) "والجمال" ليست في ع.
(٥) "وجهه" ليست في ع.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٥٨) وعبد الرزاق في "المصنف" (٨/ ٣٢٦).
القلب من النور والظلمة والخير والشر يَسْرِي كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأعضاء ارتباطًا بالقلب.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾[محمد: ٣٠]، فهذا التعريف داخل تحت المشيئة معلَّق بها، ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾[محمد: ٣٠]، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بُدوًّا خفيًّا يراه الله، ثمَ يقوى حتى يصير صفةً في الوجه يراها [١١٣ ب] أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسَخ١ الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قردٍ أو خنزيرٍ، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
فصل
وأهل جمال الصور يُبتلَون بالفاحشة كثيرًا، واسمها ضدّ الجمال، فإن الله سماها فاحشة وسُوءًا وفسادًا وخبثًا وسيئة٢ وإجرامًا، وهذه الأشياء ضدُّ الجمال، فعُلِم أن الجمال الذي يحبه الله ليس جمالَ الصورة، فإن الله لا ينظر إلى مجرد الصورة، فكيف يكون محبوبًا له؟