القلب من النور والظلمة والخير والشر يَسْرِي كثيرًا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأعضاء ارتباطًا بالقلب.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾[محمد: ٣٠]، فهذا التعريف داخل تحت المشيئة معلَّق بها، ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾[محمد: ٣٠]، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو في الوجه بُدوًّا خفيًّا يراه الله، ثمَ يقوى حتى يصير صفةً في الوجه يراها [١١٣ ب] أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس، ثم يقوى حتى يُمسَخ١ الوجه على طبيعة الحيوان الذي هو على خلقه من قردٍ أو خنزيرٍ، كما جرى على كثير من الأمم قبلنا، ويجري على بعض هذه الأمة، كما وعد به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
فصل
وأهل جمال الصور يُبتلَون بالفاحشة كثيرًا، واسمها ضدّ الجمال، فإن الله سماها فاحشة وسُوءًا وفسادًا وخبثًا وسيئة٢ وإجرامًا، وهذه الأشياء ضدُّ الجمال، فعُلِم أن الجمال الذي يحبه الله ليس جمالَ الصورة، فإن الله لا ينظر إلى مجرد الصورة، فكيف يكون محبوبًا له؟
(١) ع: "يمسح" تصحيف.
(٢) في الأصل: "شبهة" تحريف.
والجمال منه ما يحبه الله ومنه ما يبغضه، فإن الله١ يُبغِض التجمل بلباس الحرير والذهب، ويُبغِض التجمل بلباس الخيلاء وإن كان ذلك جمالًا. فالجمال ثلاثة أنواع:
جمالٌ خالٍ عن معارضة مفسدة، فهذا يحبه الله.
وجمال مشتمل على مفسدة مبغوضة لله، فهذا يكرهه الله٢.
وجمال فيه شائبة من هذا وهذا، فهذا يكرهه الله من وجه ويحبه من وجه.
هذا إذا كان جمالًا كسبيًّا، وأمّا إذا٣ كان جمالًا خلقيًّا لا يتعلق بكسب العبد، فهذا لا يتعلق به ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم ولا حب ولا بغض، إلا إذا استعان به على ما يحبه الله أو يكرهه كما تقدم، وقد قال النبي ﷺ: "إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال٤ "٥، وقال: "إن الله يُبغِض الفاحشَ البذِيء"٦، وقال: "إن الله لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التفحُّشَ"٧.
(١) ع: "فإنه".
(٢) لفظ الجلالة ليس في ع.
(٣) في الأصل: "إن".
(٤) ع: "الجميل".
(٥) سبق تخريجه.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٠٠٢) عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث حسن صحيح.