والثاني: حال المشركين والمنافقين والفُجَّار والفُسَّاق والمبطلين ومن سلك سبيلهم.
والثالث: حالُ مؤمنٍ له مادتان، مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منهما.
والرابع: حال الفارغ من ذوق هذا وهذا، فهو في شأنٍ وأولئك في شأنٍ.
فهذه الآثار التي تضمنت مدحَ الصوت الحسن بالقرآن وما يحبه الله، مَن احتج بها على السماع الشيطاني فقد بَخَسَ حظَّه من العلم والمعرفة.
فصل
*قال صاحب الغناء١: الصوت الحسن يُطيِّب السير، ويقطع المشاقّ، ويَحمِل سامعُه معه ما لا يحمله بدونه [١١٦ أ]، ولهذا لما حَدَا ذلك الغلام بالإبل قطعَتْ مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطَّ عنها أحمالها ماتت، فإن طيب الصوت هوَّن عليها مشقةَ الحمول فلم تُحِسَّ بها، فلما وضعت عنها أحمالها فرغت قواها.
قال أبو بكر الدُّقِّي٢: وحدا هذا الغلام بجَملٍ، فهامَ على وجهه،
(١) "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٨، ٥٠٩).
(٢) في النسختين: "الرقي"، وفي "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٦٦): "الزقي". والتصويب من "الرسالة القشيرية" و"طبقات الصوفية" للسلمي (ص ٤٤٨) و"الأنساب" للسمعاني (٥/ ٣٣٧).
وقطعَ حباله، قال: ولم أسمع صوتًا أطيبَ منه، ووقعتُ لوجهي حين سمعته، حتى أشار عليه سيدُه بالسكوت، فسكت.
*قال صاحب القرآن: لا ريبَ أن الصوت المتناهي في الحسن يُحرِّك النفوس تحريكًا عظيمًا جدًّا خارجًا عن العادة، وقد شاهد الناس وسمعوا من ذلك ما هو معلوم، والأصوات من أعظم المحركات للنفوس، ولا يُعادِلُها شيء في حركة النفوس إلا الصور، فإذا اتفق قوة المؤثر واستعداد المحل قوي التأثير، حتى يغيب عن الحسِّ أحيانًا، ويحول بين سامعه وبين مباشرة المؤلم المؤذي، فلا يَشعُر به.
وإذا صادف محلًّا مستعدًّا لصِغَرٍ١ أو أنوثةٍ أو جزعٍ أو فرحٍ أو قوةِ حبٍّ أو رياضةٍ ولطافةِ روحٍ، حرَّكهُ غايةَ الحركة، وأزعجَ قاطنَه٢، وأثار ساكنَه، وهذا لا يدل على جواز ولا تحريم ولا مدح ولا ذم، بل دلالته على الذم والمنع أقرب من دلالته على الجواز والاستحباب، فإن هذا يُفسِد النفوس أكثر مما يُصلِحها، ويضرها أكثر مما ينفعها، وإن كان فيه منفعة يسيرة فآفته ومضرته أكبر من نفعه٣، وقد قال تعالى للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾[الإسراء: ٦٤]، فالصوت الشيطاني يَستفِزُّ بني آدم، وصوت الشيطان كل صوت في غير طاعة الله، نُسِبَ إلى