الإنسان يكون هادئًا فإذا سمع السماع اضطرب؟ فقال: إنَّ الله لما خاطب الأرواح في الميثاق الأول بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾[الأعراف: ١٧٢]، استفرغتْ عذوبةَ١ سماعِ [الكلام]٢ الأرواحُ، فإذا سمعوا السماع حرَّكهم ذِكرُ ذلك.
* [١١٧ ب] قال صاحب القرآن: من دُعي إلى تحكيم الله ورسوله وما أُنزِل على نبيه من الكتاب والحكمة، فلم يرضَ بذلك، ودعا إلى تحكيم من يصيب ويخطئ، ولم يُولِّه الله الحكمَ فيما شجر بين المتنازعين، فقد بخسَ حظَّه وأضاعَ نصيبَه.
فهذا النقل إن كان ثابتًا عن الجنيد فهو نقل عن غير معصوم، وإن لم يكن ثابتًا عنه وهو الأليق٣ بمثل جلالته ومعرفته فهو نقل غير مصدَّق عن قائلٍ غير معصوم، فكيف يكون حجةً؟ والجنيد أعرفُ بالله من أن يقول مثل هذا، فإنَّ هذا الاضطراب يكون لجميع الحيوان ناطقه وأعجمه، ويكون للكفار والمنافقين والفساق والفجار، ثمّ الاضطراب قد يكون لحلاوة الصوت ومحبته واستلذاذه٤، وقد يكون للخوف منه وهيبته، وقد يكون للحزن والجزع، وقد يكون للغضب.
(١) ع: "عذوبته".
(٢) زيادة من "القشيرية"، وليست في النسختين.
(٣) ع: "اللائق".
(٤) ع: "واشتداده" تحريف.
وأيضًا فمن المعلوم قطعًا أنَّ الصوت المسموع ليس هو ذلك الخطاب الأول، ولا هو متعلق به، ولا هو منه بسبيل.
وأيضًا فإنَّ هذا الاضطراب على قرآن الشيطان والغناء الذي هو مادة النفاق ورقية الفجور، كيف يُحرِّك للخطاب بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟
وأيضًا فإنَّ العبد لو سمع كلام الله بلا واسطة كما سمعه موسى بن عمران لم١ يكن٢ سماعه بعدُ لأصواتِ الألحان٣ والغناء محرِّكًا لذلك مذكِّرًا به. بل المأثور أنَّ موسى مَقَتَ الآدميين وأصواتهم وكلامهم لما وقر في مسامعه من كلام ربه ﷻ٤.
وأيضًا فإنَّ استلذاذ الصوت أمر طبيعي لا تعلق له بكونهم٥ سمعوا خطاب الرب في الأزل أصلًا.
وأيضًا فإنَّ أحدًا لا يذكر ذلك السماع أصلًا إلا بالخبر عنه.
(١) ع: "إن لم".
(٢) في الأصل: "يكون".
(٣) ع: "الأصوات والألحان".
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٦٥٠) والبيهقي في "الشعب" (١٠٥٢٧) عن ابن عباس. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٠٣): "فيه جويبر، وهو ضعيف جدًّا".