وأيضًا فمن المعلوم قطعًا أنَّ الصوت المسموع ليس هو ذلك الخطاب الأول، ولا هو متعلق به، ولا هو منه بسبيل.
وأيضًا فإنَّ هذا الاضطراب على قرآن الشيطان والغناء الذي هو مادة النفاق ورقية الفجور، كيف يُحرِّك للخطاب بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟
وأيضًا فإنَّ العبد لو سمع كلام الله بلا واسطة كما سمعه موسى بن عمران لم١ يكن٢ سماعه بعدُ لأصواتِ الألحان٣ والغناء محرِّكًا لذلك مذكِّرًا به. بل المأثور أنَّ موسى مَقَتَ الآدميين وأصواتهم وكلامهم لما وقر في مسامعه من كلام ربه ﷻ٤.
وأيضًا فإنَّ استلذاذ الصوت أمر طبيعي لا تعلق له بكونهم٥ سمعوا خطاب الرب في الأزل أصلًا.
وأيضًا فإنَّ أحدًا لا يذكر ذلك السماع أصلًا إلا بالخبر عنه.
(١) ع: "إن لم".
(٢) في الأصل: "يكون".
(٣) ع: "الأصوات والألحان".
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٦٥٠) والبيهقي في "الشعب" (١٠٥٢٧) عن ابن عباس. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٠٣): "فيه جويبر، وهو ضعيف جدًّا".
(٥) ع: "بكونه".
وأيضًا فإنَّ معنى الآية ينبُو عما حملها عليه١ من قال [١١٨ أ] بهذا القول من وجوه متعددة:
منها: أنَّه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ٢﴾[الأعراف: ١٧٢]، ولم يقل: من آدم، ولا قال: من ظهره، ولا قال: من٣ ذريته.
ومنها: أنَّه أشهدهم على أنفسهم، ولابدّ أن يكونوا عند هذا الإشهاد موجودين، والنفوس البشرية إنما تُحدَثُ عند خلق أبدانها، لا أنها مخلوقة قبل الأبدان.
ومنها: أنَّ المقصود بهذا الإشهاد إثبات الحق وإقامة الحجة، وهذا إنما حصل بعد خروجهم إلى هذه الدار وإقامة الحجة عليهم من الرسل٤، وبما رُكِّب فيهم من العقول ونُصِب لهم من الأدلة، وكيف تقوم الحجة عليهم بأمر لا يذكره أحد منهم؟