فأخبر أنَّه فتنةٌ لمن قصده، ولم يجعله لمن صادفه قُربةً ولا مستحبًّا. بل جعله من نوع الراحة، فكيف يقول مع هذا إنَّه يُذكِّر الخطاب المتقدم؟ ثمّ إنَّ الجنيد ترك السماع وتاب منه، ومنع منه١ أصحابه، كما تقدم حكاية ذلك٢.
فصل
*قال صاحب السماع٣: فهذا أبو علي الدقاق من شيوخ القوم وساداتهم يقول ما حكاه عنه القشيري٤، قال: سمعته يقول: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم.
*قال صاحب القرآن: إن كان أبو علي الدقاق من شيوخ القوم، فأبو علي الروذباري ــ الذي شهد فيه القشيري بأنَّه أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة، وقد صحب الجنيد والطبقة الثانية، وكان يقول: أستاذي في التصوف الجنيدُ، وفي الفقه أبو العباس ابن سُريج، وفي الأدب ثعلب، وفي الحديث إبراهيم الحربي ــ سئل عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، لأني قد وصلتُ إلى درجة لا يؤثر في اختلاف
(١) "منه" ليست في ع.
(٢) انظر (ص ٤٤).
(٣) ع: "الغناء".
(٤) "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٩).
الأحوال، فقال: نعم، قد وصل لَعمري ولكن إلى سَقَر١.
فقول أبي علي: "هو مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم" هو الذي أنكره أبو علي بعينه.
ثمّ إنَّ هذا التقسيم مما تردُّه الشريعة، فإنَّ ما حرمه الله ورسوله يستوي في تحريمه العامة والخاصة كسائر المحرمات، فلم يحرم الله على العامة٢ شيئًا ويبيحه للخاصة ثمّ يستحبّه لخاصة الخاصة، وهل هذا إلا من جنس التلاعب بالدين؟! فلو قال قائل: الخمر حرام على العوام لبقاء نفوسهم وما يقع فيها من العربدة والشر، مباح لمن جاهد [١١٩ أ] نفسَه عن ذلك، مستحب لمن قلبه حيٌّ لا يؤثر فيه شربه، أكان فرقٌ بينه وبين هذا التقسيم؟ وأين في شرع الله ورسوله فعل مباح لبعض المكلفين، حرام بعينه على بعضهم، مستحب لبعضهم، مع استوائهم في التكليف وأسبابه؟ هذا مما لا يمكن مجيء الشرع به.
وإذا اختلفت الأحكام باختلاف المكلفين اختلفت باختلاف أوصافهم٣، كتحريم نكاح الإماء٤ على القادر الواجد لنكاح حرة، وإباحته للعاجز الخائف العَنَتَ، وكوجوب الصوم على المقيم والمرأة