الوجه الثاني١: قوله: "إن الصوت الحسن مخاطبات وإشارات أودعَها الله كلَّ طيب وطيبة"، لا يجوز أن يراد به أن كل صوتٍ طيّبٍ كائنًا ما كان فإن الله أودعه مخاطباتٍ يخاطب بها عباده، فإن هذا القول كفر صريح، فإن ذلك يستلزم أن تكون الأصوات الطيبة التي يستعملها المشركون وأهل الكتاب في الاستعانة بها على كفرهم قد خاطب الله بها عباده، وأن تكون الأصوات الطيبة التي يَستفزُّ بها الشيطان لبني آدم٢ قد أودعها الله مخاطباتٍ يُخاطِب بها عبادَه، وأن تكون أصوات الملاهي قد أودعها الله مخاطباتٍ يخاطب بها عباده. ومن المعلوم أن هذا لا يقوله عاقل.
ثمّ لو كان الأمر كذلك فلِمَ فات الأنبياءَ والصديقين وأئمةَ الإسلام سماعُ هذه الأصوات الطيبة لينالوا ذلك الخطاب منها؟ فإن استماع مخاطبات الحق من أفضل القُربات، فلا يصح أن يكون إطلاق هذا الكلام وعمومه حقًّا.
بقي أن يقال: هذا خاصٌّ ومقيدٌ بالصوت الحسن إذا استُعمِل على الوجه الحسن، فهذا حق، مثل أن يزيّن به كلام الله، فالصوت الحسن إذا تُلي به كتابُ الله فإنه يكون حينئذٍ قد أُودِعَ مخاطباتٍ وإشاراتٍ تضمنها
(١) من الرد على كلام ذي النون، وما سبق هو الوجه الأول.
(٢) كذا في النسختين و"الاستقامة" بزيادة اللام.
الكلام، والصوت الحسن أعان على وصولها وتنفيذها إلى القلب، فهاتان مرتبتان لحمل١ هذا الكلام، إحداهما باطلة قطعًا، والثانية صحيحة قطعًا، تبقى بين عموم تلك المرتبة وخصوص هذه مراتبُ عديدة:
منها: أن يُحمَل ذلك على ما يجد المستمع في قلبه من المخاطبات [١٢١ أ] والإشارات من الصوت وإن لم يقصده المصوِّت، فهذا كثيرًا ما يقع لهم، وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع يشيرون إلى هذا المقصد٢، وصاحب هذه الحال يكون ما يسمعه٣ مُذكِّرًا له بما٤ كان في قلبه من الحق. وهذا يكون على وجهين:
أحدهما: من الصوت المجرد الذي لا يُفهَم معناه، كأصوات الطيور والرياح والآلات وغيرها، فهذه الأصوات كثيرًا ما يُنزِلها السامع على حاله، فيُحرِّك منه ما يناسبه من فرح أو حزن أو غضب أو شوق وغيره، كقول بعضهم٥:
(١) ع: "يحمل".
(٢) ع: "القصد".
(٣) ع: "سمعه".
(٤) ع: "لما".
(٥) الأبيات لأبي بكر ا لشبلي في "اللمع" للطوسي (ص ٣٧٩) و"طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ١٧٧) وانظر ديوانه (ص ١٥٢). والرواية: "ذات شجو" بدل "ذات حسن". ورواية البيت الثاني في المصادر: ولقد تشكو فما أَفهمُها ... ولقد أشكو فما تَفهمُني وفي بعضها: "ولقد تبكي ....... ... ولقد أبكي ...... ".