رُبَّ ورقاءَ هَتُوفٍ١ في الضُّحَىذاتِ حُسنٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ
ولقد أبكِيْ فلا أُفهِمُهاوَهْيَ قد تبكي فلا تُفهِمُني
غيرَ أني بالجَوَى أعرِفُهاوَهْيَ أيضًا بالجَوَى تَعرِفُني
والثاني: أن يكون من الصوت المشتمل على الحروف المنظومة التي لها معنى يُفهَم، فيُنزلها السامع على ما يليق بحاله دون ما قصده به القائل، مثل أن يكون في الشعر عتاب وتوبيخ، أو أمرٌ بالصبر على المكروه، أو ذمٌّ على التقصير في القيام بحقوق المحبة، أو تحزينٌ على ما فرَّط فيه مفرِّطٌ من الحقوق، أو غضبٌ وحميَّةٌ على جهاد العدو ومقاتلته٢، أو أمرٌ ببذل النفس والمال في نيل المطلوب ورضا المحبوب، أو غير ذلك من المعاني المجملة المشتركة.
وربما قرعَ السمعَ حروفٌ أخرى لم ينطق بها المتكلم، ولكن هي على وزن حروفه التي نطق بها، كما نقل عن بعضهم أنه سمع قائلًا يقول: "سَعْتَر بَرِّي" فحصل له وجدٌ، فقيل له: ما سمعتَ؟ فقال: سمعتُ [١٢١ ب] اسْعَ تَرى بِرِّي٣.
(١) ع: "هبوب" تحريف.
(٢) ع: "مقابلته".
(٣) الخبر عن أبي سليمان الدمشقي في "الرسالة القشيرية" (ص ٥١٦).
وكل واحد إنما يسمع من حيث هو، كما يُحكى١ أن عتبة الغلام سمع قائلًا يقول:
سبحانَ ربِّ السماءإن المحبَّ لفي عَناءِ٢
فقال عتبة: صدقتَ. وسمع رجل آخر ذلك القول، فقال: كذبت٣. فكل منهما سمع على ما شاكل حاله.
وهذه هي التي يُسمِّيها القوم إشاراتٍ ومخاطباتٍ، فالمخاطبات من جنس دلالات الألفاظ، والإشارات من جنس دلالات القياس، وهذه يستعملها القوم كثيرًا فيما يرونه ويسمعونه، وبعضهم يغلو فيها غلوًّا مُفرِطًا، وكثير من الناس يَنبُو فهمُه عنها، والصواب فيها التوسط، وهي تصح بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون المعنى صحيحًا في نفسه.
الثاني: أن لا يكون في اللفظ ما يُضادُّه.
الثالث: أن يكون بينه وبين معنى اللفظ الذي وضع له قدرٌ مشترك يفهم بواسطته.
(١) ع: "حكي".
(٢) في "اللمع" للسراج (ص ٣٦٢) و"حلية الأولياء" (٦/ ٢٣٦): "جبار السماء"، وبه يستقيم الوزن، وإلّا فهو نثر.