فالتحقُّق بالحقِّ الذي بعث الله به رسلَه ولا يَقبلُ من أحدٍ سواه لا يحصُلُ بالإصغاء إلى هذا السماع البتَّةَ، وإنما يحصل بالإصغاء إلى سماعِ الوحي الذي أنزله الله على رسوله.
فدَعْ عنك أيها السماعاتيُّ الأمانيَّ الباطلةَ والغرورَ، ولا تتشبَّعْ بما لم تُعطَ١، فالمتشبِّعُ بما لم يُعطَ كلابِس ثَوبَيْ زورٍ٢.
ثم قوله في السماع إنه "واردُ حقٍّ يُزعِجُ القلوبَ إلى الحق".
يقال له: إن كان يُزعِجُ بعضَ القلوبَ أحيانًا فالأغلبُ عليه أن يُزعجها إلى الباطل، وقلَّ ما يُزعِجَها إلى الحقِّ محضًا.
بل قد يقال: إنه لا يفعل ذلك بحالٍ، بل لابدَّ أن يُضَمَّ إلى ذلك الحقِّ شيءٌ من الباطل، فيُزعِج إلى الشركِ الجليِّ أو الخفيِّ، فإنَّ ما يُزعِجُ إليه هذا السماعُ قدرٌ مشتركٌ بين الخالقِ والمخلوقِ، وذلك لا يُعطي توحيدًا ولا إيمانًا ولا معرفةً، بل إنما يُعطي شِركًا ونفاقًا، ولهذا لم يذكره الله في القرآن إلا عن المشركين٣.
(١) ع: "يعط".
(٢) كما في حديث أسماء ﵂ الذي أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠). وأخرجه مسلم (٢١٢٩) من حديث عائشة ﵂.
فلا يكون مُزعِجًا للقلوب إلى إرادةِ الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، بل يُزعِجها إلى الباطل تارةً، وإلى١ الحق أخرى، ولو كان يُزعِجُ إلى الحقِّ الذي يحبُّه الله ويرضاه خالصًا أو راجحًا لكان من الجنس المشروع المأمور به، ولكان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يشرعُهُ بقولِه أو فعلِه، ولكان من سنَّة خلفائِه الراشدين، ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه ولا يتركونه، فإنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه وكانوا أحقَّ به وأهلَه، فإنهم لا يُظَنُّ بهم أنهم يتركونَ ما يُحِبُّه الله ورسولُه وما يحرِّكُ القلوبَ إلى الله ويُزعِجها إليه.
وهذا الكلام كلُّه في قصده والاجتماع عليه، وطلبِ التقرُّب به، وعَدِّه من أفضل القُرَب، ومما تصلُحُ عليه القلوبُ. وأما من لم يقصده ولا هو من مطالبه، فاتفق أنه صادف شيئًا منه، فصادفه سماعُ ما يُناسِبُ حالَه بمنزلة سماع الفألِ لمن خرج في حاجةٍ= فهذا قد لا يستضِرُّ به، وقد ينتفع بما سمعه ويتأثر.
كما حكى لي بعضٌ أنه سمع مغنِّيًا يغنِّي:
تَعَلَّقَ قَلبِي حُبَّكُم زَمنَ الصِّبَافوالله لا عَن حُبِّكُم أتَحوَّلُ٢
قال: فأثَّرَ فيَّ هذا البيتُ، وجعلتُ أردِّدُهُ، وحصل لي به إقبالٌ بعد إعراضٍ. أو كما قال.
(١) ع: "إلى" بدون الواو. وفي "الاستقامة" (١/ ٣٩٤): "وإلى الحق والباطل تارة".