مسألة السماع

فلا يكون مُزعِجًا للقلوب إلى إرادةِ الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، بل يُزعِجها إلى الباطل تارةً، وإلى١ الحق أخرى، ولو كان يُزعِجُ إلى الحقِّ الذي يحبُّه الله ويرضاه خالصًا أو راجحًا لكان من الجنس المشروع المأمور به، ولكان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يشرعُهُ بقولِه أو فعلِه، ولكان من سنَّة خلفائِه الراشدين، ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه ولا يتركونه، فإنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه وكانوا أحقَّ به وأهلَه، فإنهم لا يُظَنُّ بهم أنهم يتركونَ ما يُحِبُّه الله ورسولُه وما يحرِّكُ القلوبَ إلى الله ويُزعِجها إليه.

وهذا الكلام كلُّه في قصده والاجتماع عليه، وطلبِ التقرُّب به، وعَدِّه من أفضل القُرَب، ومما تصلُحُ عليه القلوبُ. وأما من لم يقصده ولا هو من مطالبه، فاتفق أنه صادف شيئًا منه، فصادفه سماعُ ما يُناسِبُ حالَه بمنزلة سماع الفألِ لمن خرج في حاجةٍ= فهذا قد لا يستضِرُّ به، وقد ينتفع بما سمعه ويتأثر.

كما حكى لي بعضٌ أنه سمع مغنِّيًا يغنِّي:

تَعَلَّقَ قَلبِي حُبَّكُم زَمنَ الصِّبَافوالله لا عَن حُبِّكُم أتَحوَّلُ٢

قال: فأثَّرَ فيَّ هذا البيتُ، وجعلتُ أردِّدُهُ، وحصل لي به إقبالٌ بعد إعراضٍ. أو كما قال.

  1. (١) ع: "إلى" بدون الواو. وفي "الاستقامة" (١/ ٣٩٤): "وإلى الحق والباطل تارة".
  2. (٢) لم أجد البيت فيما رجعت إليه من مصادر.
337

ومن هذا ما يُحكى عن بعض المشايخ أنه سمع قوَّالًا يقول١:

كلَّ يومٍ تتلَوَّنْغَيرُ هذا بِك أجمَلْ

فنزَّلَه على حاله مع ربه تعالى، وجعل يبكي ويُردِّدُ البيتَ مرارًا.

وكذلك الذي سمع قوَّالًا يقول٢:

وكنتُ أرى أن قد تَنَاهى بيَ الهوىإلى غايةٍ ما بعدها لِيَ مذهبُ
فلمَّا تلاقَينَا وعَايَنتُ حُسْنَهَاتَيَقَّنتُ أنِّي إنَّما كنتُ ألعبُ

فأثَّر ذلك فيه وجدًا وهمَّةً وإرادَةً.

وكذلك الذي سمع قوَّالًا يقولُ٣:

وأخرجُ من بين البيوت لعَلَّنِيأُحَدِّثُ عنك النَّفْسَ في السِّرِّ خاليَا

فحملَه على حاله وخروجه من بين بيوت إرادته وشهوته، ليُفْضِيَ قلبُهُ إلى محبوبه خاليًا، فخرج إلى الصحراء يُنشدُ هذا البيت ويُرَدِّده.

  1. (١) البيت مع الخبر في "الرسالة القشيرية" (٢/ ٥١٥)، و"إحياء علوم الدين" (٢/ ٢٨٨)، و"مدارج السالكين" (٣/ ٥٦٧) وغيرها. وانظر التعليق على المدارج.
  2. (٢) البيتان مع ثالث في "الزهرة" لمحمد بن داود الظاهري (ص ٢٧٤) لبعض أهل هذا العصر. وأنشدهما المؤلف في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و"طريق الهجرتين" (١/ ٤٦٠).
  3. (٣) البيت للمجنون في "ديوانه" (ص ٢٩٤، ٣٠١، ٣١٤) من قصيدة طويلة.
338

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي