مسألة السماع
رُوحُ المجالس ذكرُهُ وحديثُهوهُدًى لكلِّ ملَدَّدٍ حيرانِ
وإذا أُخِلَّ١ بذِكرِه في مجلسٍفأولئكَ الأمواتُ في الجَبَّانِ٢

إلى أن وصلَ المُنشدُ إلى قوله٣:

والمُستهامُ على المحبَّةِ لم يَزَلحَاشَا لذِكْرَاكم من النِّسيَانِ
لو قيلَ ما تهوى لقَالَ مُبادرًاأهوَى زِيَارَتَكمُ على أجفَانِ
تالله إن سمحَ الزَّمانُ بقُربِكُموحَلَلتُ منكُم بالمَحَلِّ الدَّاني
لأُعَفِّرنَّ الخدَّ شُكرًا في الثَّرَىولأَكْحَلَنَّ بِتُربِكُم أجفاني٤

فغلبَهُ البكاءُ والنَّحِيبُ.

ولو تتبعنا ما في هذا عن المتقدِّمين والمتأخِّرين لبلَغ عدَّة أسفارٍ!

فهذا مما يَنتَفِعُ به السامعُ ولا يَتَضرَّرُ به إذا صادفَه مُصادفةً فاستَراحَ

  1. (١) ع: "أخذ" تحريف.
  2. (٢) "الجبَّان" بمعنى المقبرة، وهو على الصواب في النسخة، فغيَّره المحقق الجديد إلى "الحيَّان"، ولا معنى له هنا.
  3. (٣) هذه الأبيات من نونية أخرى للصرصري في ديوانه (نسخة تشستربيتي ٣٨٦٥، ونسخة جامعة أم القرى ١٩٥٦). وهي في "فوات الوفيات" (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، وقد جمع فيه بينها وبين أبياتٍ من النونية السابقة وكلتاهما من بحر الكامل.
  4. (٤) ع: "أجفان". وكذا في الطبعة الجديدة بدون ضمير المتكلم، وهو خطأ.
342

به، ولو تكلَّفَهُ لكان له فتنةً ومحنةً، وهذا معنى قولِ سيِّدِ الطائفةِ الجُنَيدِ: مَن صادفَهُ السماعُ استراح، ومن تكلَّفَهُ فُتِنَ به١.

وليس هذا مخصوصًا بالسماع، بل هذا حكمُ كثيرٍ من المُستلذَّاتِ التي تشترِكُ فيها الحواسُّ، فالصَّادِقُ المُقبِلُ على الله الذي قد امتلأَ قلبُهُ من إرادتِهِ ومحبَّتِه إذا صادَفَهُ بعضُ المناظرِ المُعْجِبَةِ المُبْهِجَةِ التي يُباحُ النظرُ إليها، أو بعض النَّغَم المباح٢ من غير تكلُّفٍ منه له= استراح به ووجدَ به قوَّةً ونشاطةً٣ وزيادةً في حالِهِ، وإن تكلَّف انقطعَ به وفُتِنَ وصار عبدَ شهوتِهِ.

ولهذا كثيرٌ من أكياسِ الناس وأولي الفقه في السلوك والفِطْنَة لا يختارون لنفوسِهم حالةً؛ لما يعلمون أن الفتنة والمحنةَ في ذلك الاختيار، بل ينظرون ما يُحدِث الله لهم ويفعلُه بهم، فيَجْرِي عليهم بحُكْم إرادتِه لهم واختياره، لا بحُكم إرادتِهم وشهوتهم. ومِثْلُ هذا لا يضُرُّهُ ما التذَّ به من الأصوات المباحةِ والصورة المباحة الجميلة، فقد كان ممَّا حُبِّبَ٤ إلى رسول الله ﷺ النساءُ والطِّيبُ٥، وكان يُعجِبُه

  1. (١) "الرسالة القشيرية" (٢/ ٥٠٩). ولفظه: "السماع فتنة لمن طلبه، ترويحٌ لمن صادفه".
  2. (٢) في الطبعة الجديدة: "النِّعم المباحة" تحريف لما في النسخة والسياق.
  3. (٣) كذا في النسخة، والمعروف في اللغة بدون الهاء.
  4. (٤) ع: "أحب مما".
  5. (٥) أخرجه أحمد (١٢٢٩٤، ١٤٠٣٧) والنسائي (٧/ ٦١) وغيرهما من حديث أنس بن مالك، وإسناده حسن.
343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي