وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[الأنفال: ٢٤]، فارتاع لها وقال: أرى الله يحول بين قلبِ الرجل وبين إيمانه إذا لم يبادر إلى الاستجابة لله ولرسوله، فتكون عقوبته أن يحول بينه وبين قلبه.
وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾[الحشر: ١٩]، فارتاع لها وقال: لمَّا نَسُوه أنساهم حظَّ أنفسهم ونعيمَها وما به سعادتُها وفوزُها، فتركوه واعتاضُوا عنه٢ بما فيه شقاء نفوسهم وعذابها وهلاكها. هكذا سمعت شيخ الإسلام يقول عند سماع هذه الآية، أو نحو هذا الكلام٣.
(٣) انظر كلام شيخ الإسلام عليها في "مجموع الفتاوى" (١٦/ ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥١). وتكلم عليها المؤلف في مواضع من كتبه.
فابتهج بها ابتهاجًا عظيمًا، وكم تحت قوله ﴿يُدَافِعُ﴾ من آفةٍ يدفع عنهم: الشكوك والشبهات، والأهوية والبدع المضلَّة، والشهوات الفانية، والهموم والغموم والأحزان، والأعداء الظاهرة والباطنة التي يعلمونها والتي لا يعلمونها. فما يدفع الله عنهم من الشرِّ نظيرُ نِعَمه عليهم بالخير، فلا يطيقون عدَّ هذا ولا هذا، فلا يُحصون عدَّ ما يدفع عنهم، ولا عدَّ ما يُنعِمُ به عليهم.
وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾[آل عمران: ١٣٣]، فبكى وقال: لقد خاب وشَقِي من ضاقت عنه جنّةٌ عرضُها السماوات والأرض ولم يكن له فيها مقعدٌ!١.
وسمع بعض الأعراب قارئًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾[الحجر: ٩٤]، فسجد، فقيل له: ليس هذا موضع سجدةٍ! فقال: سجدتُ لجلالة هذا الكلام وفصاحته٢.
وسمع أعرابيٌّ قارئًا يقرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾[الذاريات: ٢٢]، وكان قد ذهب في طلب حاجةٍ عند بعض الناس، فرجع وقال: رزقي في السماء وأنا أطلُبُه من أهل الأرض٣.
(١) انظر "العاقبة" لعبد الحق (ص ٨٤).
(٢) ذكره القاضي عياض في "الشفا" (١/ ٢٦٢)، والنويري في "نهاية الأرب" (٧/ ٥) نقلًا عن أبي عبيد. وذكره المؤلف في "الصواعق المرسلة" (٢/ ٧٠٩).
(٣) انظر: "الأولياء" لابن أبي الدنيا (٨٤)، و"طبقات المحدثين بأصبهان" لأبي الشيخ (٣/ ١٠٨)، و"شعب الإيمان" (١٢٧٦)، و"الرسالة القشيرية" (٢/ ٥٤١)، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٢٧٢)، و"صفة الصفوة" (٤/ ٣٨١، ٣٨٢).