مسألة السماع

وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]، فقال: أيَّد عباده ونصرهم بأنواعِ جُنده، وأعلمهم أن السكينة من جُنده الذي ينصرُ به المؤمنين، فنصرهم على عدوِّهم بجندٍ من السكينةِ، وجُندٍ من الملائكةِ، وجُندٍ من المؤمنين، وجُندٍ من الرِّيح، وجُندٍ من الرُّعب الذي يُلقِيه في قلوب أعدائه، وجندٍ من الإيمان والتوكُّل الذي يجعله في قلوبهم فلا يخافون معه أحدًا.

فلما صاروا من جُنده أيَّدهم بسائر جنوده، وسبقت كلمته لهم بأنهم هم الغالبون والمفلحون، فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].

فالسكينة جند من جنود الله يُثبِّت بها قلوبَ المؤمنين في مواطن القلق والاضطراب والخوف، كما أنزلها على رسوله وصاحِبه يومَ الغار والمشركون فوق رؤوسهما، وكما أنزلها على المؤمنين يوم صلح الحديبية أشدَّ ما كانوا قلقًا واضطرابًا، والمشركون يتحكَّمون عليهم في شروطهم، وقد صدُّوهم عن البيت، وكما أنزلها على رسوله وعلى المؤمنين يومَ حُنين، بعد أن ولَّى المسلمون وكادت النُّصرة تكون لأعدائهم عليهم، وكان من حَدْوِهم مع نبيهم ﷺ:

والله لولا الله ما اهتدينا

ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا

358

فأنزِلَنْ سكينةً علينا

وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا١

ولا يزالُ القلب واللسان والسمع والبصر والجوارح في طَيشها حتى تُحمَلَ السكينةُ في القلب، فإذا نزلت به زال الطيش وحصل الوقار والثباتُ والصبر واليقين والطمأنينةُ. فإذا رأيتَه طائشَ اللسان، طائشَ البصر، طائشَ الأذن، طائشَ المشي= فقد أعلمك طيشُهُ أنه لا حظَّ له من السكينة. فمن أفضل ما أُوتِيَ العبد بعد نعمة الإيمان وقارُ السكينة، فإذا استقرَّت في قلبه ظهر أثرُها في جوارحه، حتى في صوته وهيئته ومشيه ولباسه.

فالطيش جندٌ من جنود الشيطان، والسكينةُ جندٌ من جنود الرحمن، فإذا خلت المحبَّةُ عن المعرفة كانت طيشًا كلّها، وإذا كانت معها المعرفة سكَّنتها عن طيشِها.

وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]، فقال: إنما نجا بهذه الكلمة لأنها تضمنت أربعة أشياء: التوحيد والتسبيح، وهما لله. والاعترافَ والاستغفار، وهما للعبد.

  1. (١) تقدم الرجز وتخريجه.
359

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي