مسألة السماع

فأنزِلَنْ سكينةً علينا

وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا١

ولا يزالُ القلب واللسان والسمع والبصر والجوارح في طَيشها حتى تُحمَلَ السكينةُ في القلب، فإذا نزلت به زال الطيش وحصل الوقار والثباتُ والصبر واليقين والطمأنينةُ. فإذا رأيتَه طائشَ اللسان، طائشَ البصر، طائشَ الأذن، طائشَ المشي= فقد أعلمك طيشُهُ أنه لا حظَّ له من السكينة. فمن أفضل ما أُوتِيَ العبد بعد نعمة الإيمان وقارُ السكينة، فإذا استقرَّت في قلبه ظهر أثرُها في جوارحه، حتى في صوته وهيئته ومشيه ولباسه.

فالطيش جندٌ من جنود الشيطان، والسكينةُ جندٌ من جنود الرحمن، فإذا خلت المحبَّةُ عن المعرفة كانت طيشًا كلّها، وإذا كانت معها المعرفة سكَّنتها عن طيشِها.

وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]، فقال: إنما نجا بهذه الكلمة لأنها تضمنت أربعة أشياء: التوحيد والتسبيح، وهما لله. والاعترافَ والاستغفار، وهما للعبد.

  1. (١) تقدم الرجز وتخريجه.
359

فبالتوحيد يدخل على الله، وهو وسيلتُهُ إليه، وبالتسبيح يُنزِّهُهُ عما لا يليق به من أن يأخذه أو يعاقبه بغير جرم، أو يكون في ملكه ما لم يسبقْ به قضاؤه وقدَرُه، ويتعلَّقْ بمشيئته وخلقه.

والاعتراف والاستغفار يُطفئ غضبَ الرب عنه ويُسكِّنه، ويُقيمه في مقام العبوديَّة، ويُخرِج من نفسه مزاحمةَ الربوبيَّة.

وأعظم الناس اعترافًا واستغفارًا أعرفُهم بربه وبنفسه، ولهذا كان أعظمُ الأمة استغفارًا نبيَّها، فكانت الصحابة يَعُدُّون له في المجلس الواحد مائة مرةٍ يقول: "ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التوَّاب الغفور"١، وقال: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربِّكم، فإني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرَّة"٢.

والتوبة والاعتراف هي الغاية المطلوبة من العباد، ولابدَّ لكل عبدٍ منها، وتوبةُ كلِّ عبدٍ بحسبِهِ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، فكيف٣ بين حال آدم بعد التوبة وحاله قبل الخطيئة!

  1. (١) أخرجه أحمد (٤٧٢٦) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦١٨) وأبو داود (١٥١٦) والترمذي (٣٤٣٤) وابن ماجه (٣٨١٤) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه ابن حبان (٩٢٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرّ.
  3. (٣) كذا في النسخة، والسياق يقتضي "فكم".
360

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي