مسألة السماع

الراشدون، وخيارُهم الشَّيخان، وخيرُهُما الصدِّيقُ أولُ الناس إجابةً.

ثم استبطأ قلوبَ الناس ولامَهُم في الإبطاء في محلِّ الإسراع، وعلى المهلة في محلِّ الاستعجال والمبادرة، وكيف أبطأت قلوبهم عن الخشوع لكلامه الذي لو نزل على الجبال لخشعتْ له وتصدَّعتْ عن أماكنها مع قسوتها وشدَّتها، فقلوبُ عبادِه أولى بالخشوع لكلامِه من الجبال.

ثم حذَّرهم سبيلَ مَن قبلَهم من أهل القسوة، وأنهم لمَّا طال عليهم الأمدُ ولم تخشع قلوبهم قَسَت وعتَتْ١، وهكذا مَن طال عليه الأمد ولم يُنِب إلى ذكرِ الله ولم يخشع قلبُه لكلامِه قَسَا وعزَّ عليه الخشوعُ والانقيادُ، كالخشبة الكبيرة إذا تطاولت عليها السِّنون وهي على عِوَجِها لم يكن إلى تقويمها سبيلٌ؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "اقتلُوا شيوخَ المشركين واستَبْقُوا شَرْخَهُم"٢، الشرخُ: الشبابُ، فأمر باستبقائهم لأنَّ في لِينِهم مطمع٣.

  1. (١) في ع والمطبوعة: "عنتْ"، وهو بمعنى خضعتْ وذلَّتْ، ولا يناسب السياق. و"عَتَتْ" بمعنى استكبرتْ، وفي القرآن: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: ٨].
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٠٢٣٠) وأبو داود (٢٦٧٠) والبيهقي (٩/ ٩٢) من حديث الحسن عن سمرة بن جندب. وإسناده ضعيف بسبب عدم تصريح الحسن البصري بالتحديث، وهو مدلس.
  3. (٣) كذا في النسخة مرفوعًا والسياق يقتضي النصب، ومثل هذا ورد عند المؤلف في مواضع من كتبه فلم نغيِّره.
365

وأخبر سبحانه أن القلوبَ القاسية أبعدُ القلوب منه، وأنه لما لَعَنها جعلها قاسيةً، وأخبرَ أنَّ فتنةَ الشيطان إنما تُصِيب القلبَ المريضَ والقلبَ القاسيَ، ويَسْلَم منها القلبُ المُخْبِتُ إليه، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ٥٣ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٤].

فجعل القلوبَ ثلاثةً: قلبَين شقيَّينِ، وهما المريض والقاسي. وقلبًا سعيدًا، وهو المخبت. والإخباتُ: اللِّينُ والتواضع والانخفاضُ للحقِّ، والخَبْتُ: المكانُ المنخفضُ.

وهذا لأنَّ القلبَ إمَّا أن يكونَ يابسًا لا يقبلُ الحقَّ، فهو القاسي. أو ضعيفًا لا يثبت فيه الحقُّ، فهو المريض. أو صافيًا ليِّنًا صُلْبًا، يرى الحقَّ بصفائِه، ويقبلُه بلينِه، ويحفظُهُ بصلابِتِه.

فالأول: القلب الحجريُّ، لا يقبلُ صورةَ الحقِّ، ولا ينطبعُ فيه.

والثاني: المريض المعلولُ، إن قبِلَها زالت بسرعةٍ، كالماء يقبلُ صورةَ ما ينطبعُ ثم يزولُ أسرعَ شيءٍ.

والثالث: القلب الزجاجيُّ، المشتمل على الصَّفاء والرِّقَّةِ والقوَّة؛ ولهذا ضرب الله به المثلَ لنوره، وجعله محلًّا له، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥].

366

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي