مسألة السماع

وأخبر سبحانه أن القلوبَ القاسية أبعدُ القلوب منه، وأنه لما لَعَنها جعلها قاسيةً، وأخبرَ أنَّ فتنةَ الشيطان إنما تُصِيب القلبَ المريضَ والقلبَ القاسيَ، ويَسْلَم منها القلبُ المُخْبِتُ إليه، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ٥٣ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٤].

فجعل القلوبَ ثلاثةً: قلبَين شقيَّينِ، وهما المريض والقاسي. وقلبًا سعيدًا، وهو المخبت. والإخباتُ: اللِّينُ والتواضع والانخفاضُ للحقِّ، والخَبْتُ: المكانُ المنخفضُ.

وهذا لأنَّ القلبَ إمَّا أن يكونَ يابسًا لا يقبلُ الحقَّ، فهو القاسي. أو ضعيفًا لا يثبت فيه الحقُّ، فهو المريض. أو صافيًا ليِّنًا صُلْبًا، يرى الحقَّ بصفائِه، ويقبلُه بلينِه، ويحفظُهُ بصلابِتِه.

فالأول: القلب الحجريُّ، لا يقبلُ صورةَ الحقِّ، ولا ينطبعُ فيه.

والثاني: المريض المعلولُ، إن قبِلَها زالت بسرعةٍ، كالماء يقبلُ صورةَ ما ينطبعُ ثم يزولُ أسرعَ شيءٍ.

والثالث: القلب الزجاجيُّ، المشتمل على الصَّفاء والرِّقَّةِ والقوَّة؛ ولهذا ضرب الله به المثلَ لنوره، وجعله محلًّا له، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥].

366

فقسوة القلب تُورِثُ الفسقَ، فإن اشتدَّت أورثَتِ البدعةَ والظُلْمَةَ واتِّباعَ الهوى، فإن اشتدَّت أورثتِ الكفرَ والنِّفاق، وكثيرًا ما تُورِثُ هذا وهذا، وبالله التوفيق.

وسَمِع قارئًا يقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]، فقال: لمَّا آثروا الشهوات حِيلَ بينهم وبينها أشدَّ ما كانوا شهوةً لها، ولو آثروا الطاعاتِ لانقادتْ إليهم الشهوات انقيادًا أكملَ ما كانت وأتمَّه وأطيبَهُ، بلا تنغيصٍ ولا تكديرٍ ولا مُزاحمٍ، فلو أعرضوا عنها لاشتاقت إليهم أعظمَ من شوقِهم إليها، ولكن آثرُوها فهجرَتْهم أحرصَ ما كانوا على الوصال.

إذا اشتاقتِ الخيلُ المناهِلَ أعرضَتْعن الماء فاشتاقتْ إليها المناهِلُ١

فخلقَت الشهوةُ في العبد آلةً تَسُوقه، وحاديًا يحدوه إلى محلِّ الشهوات كلِّها، وهي الدارُ التي فيها ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ، وقيل لأربابها: لا تَقِفُوا عند هذه الشهوات الخسيسة الفانية، التي هي خيالُ طَيْفٍ أو سحابةُ صَيْفٍ؛ فإنَّ أمامَكم من الشَّهوات ما لا عينٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خطَرَ على قلب بشر، فنظر أصحابُ البصائر الحادَّة إلى تلك الشهوات من وراء سُتورِ الإيمان بالغيب فقالوا: نحن المشَمِّرُون، فقال لهم الدليلُ: قولوا: إن شاء الله وسِيْروا٢، سبَقَ

  1. (١) البيت لأبي العلاء المعري من لاميته المشهورة في "سقط الزند" (ص ١٩٥).
  2. (٢) نظر المؤلف إلى حديث أسامة بن زيد الذي أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٢) والبزار (٢٥٩١) وغيرهما، وصححه ابن حبان (٧٣٨١)، وفي إسناده سليمان بن موسى متكلَّم فيه، والضحاك المعافري تفرد بالرواية عنه محمد بن مهاجر. وضعَّف الحديث المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٨٤) والألباني في "الضعيفة" (٣٣٥٨).
367

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي