قيل لهم: اقتحِمُوا حلبةَ السباق، فإنما هي أنفاسٌ معدودةٌ آخرُها يوم التَّلاق، ويُسْعِد٢ الله بسَبْقِه مَن شاء من خلقِهِ.
وقيل لهم: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ إلا في هذا الرِّهانِ، فمن استطاع منكم الجَلَبَ والجَنَبَ فليفعلْ، ولْيستعِنْ على السَّبقِ بما أمكَنَهُ.
وجُعِل جزاؤهم بالسَّبق إلى الطَّاعات سَبْقَهم عند القدوم عليه إلى الجنَّات، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾[الواقعة: ١٠]، فالسَّابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السَّابقون في الآخرة إلى الدرجات.
(١) غيَّرها في الطبعة الجديدة إلى "وَصل"، وهو تحريف يدلُّ على أن المحقق لا يعرف معنى المصلِّي في ميدان السباق.
(٢) تحرف في الطبعة الجديدة إلى "ويعد"، وهو على الصواب في النسخة.
وأخبرهم أن من بطَّأ به فرسُه وعملُه لم يُسرِعْ به نسبُه وماله وولده١، فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾[سبأ: ٣٧].
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء: ٢٢]، فقال: كما تَفسُدُ السموات والأرض لو كان فيهما إلهانِ، فكذلك يَفسدُ القلب إذا كان له معبودان يَأْلَهُهُما٢ ويعبدهما، فكيف بقلبٍ فيه من كل هوًى إلهٌ معبودٌ! ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[الفرقان: ٤٣].
كيف يكون حال هذا العبد إذا سمع النداء يوم الحشر: لِيتْبَعْ كلُّ أحدٍ ما كان يعبده. فرأى آلهته ومَن كان يعبده مع الله سائرةً مع جملة الآلهة إلى الجحيم٣، وهو لا يستطيع التخلُّف عنها!
وكما أنه لا صلاحَ للعالم العُلويِّ والسُّفليِّ ولا بقاءَ إلا بكون إلهه
(١) كما أخرج مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ومن بَطَّأ به عملُه لم يُسرِعْ به نسبُه".
(٢) غيّرها في الطبعة الجديدة إلى "يؤلّهما". والمثبت كما في النسخة، و"يأله" بمعنى يعبد، ومنه "المألوه" الآتي بعد أسطر.
(٣) أخرج مسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة أذَّن مؤذِّن ليتبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلَّا يتساقطون في النار".