الحقِّ إلهًا واحدًا، فلا صلاح للقلب ولا للروحِ ولا فلاحَ إلا بأن يكون الله وحدَه معبودَه وإلهه وغايةَ مطلوبه الذي يريده ويحبُّه لذاته ويُريد ما سواه له، فيكون وحدَه المرادَ ووحدَه المعبودَ ووحدَه المألُوه ووحدَه المرجُوَّ المخُوفَ، فتتقدَّمُ محبَّتُه جميعَ المحابِّ، وخوفُه جميعَ المخاوف، ورجاؤه جميع الرجاء، فإن لم تنسخها وإلا قهرتْها وغمرتْها وصار الحكمُ لها. وأكثر الخلق بعكس ذلك، والله المستعان.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، فقال: القلبُ السليم سَلِمَ من إرادة الشرِّ، لا من معرفته، سَلِمَ من معارضة التوحيد بالشرك، ومن معارضة الخبر بالشُّبهات، ومن معارضة الأمر بالشهوات. فليس فيه عبوديةٌ لغير الله، ولا شبهةٌ تعارض خبرَه، ولا شهوةٌ تزاحمُ أمرَه. فلمَّا سَلِمَ من هذه الآفات سَلمَ من عذاب الله، واستحقَّ اسمَ الإسلام المطلق، وسالمَتْهُ جنودُ الله، فلو اجتمع على حربه مَن بين أقطارها لكان هو المؤيَّدُ المنصورُ، لم يضرَّه مَن خذلَه ولا من خالفَه، ولا يقع عليه الغلبةُ والكسرةُ إلا مِن عَدَمِ سلامته من هذه الأمور الثلاث، أو من بعضها، وإلا فمعَ سلامتِه منها لا مطمعَ للعدوِّ فيه.
وسلامة القلب نوعان:
سلامته من ورود هذه المعارضات عليه.
وسلامته من تأثيرها فيه إذا وردت عليه.
ولا سبيلَ إلى السلامة الأُولى إلا بعد السلامة الأخرى، فليصبر على المعارضات ولا يَقْلَق، ولا يظنّ أن امتحانه بها لشرٍّ يُرادُ به، بل قد هُيِّئ بها لأمرٍ عظيم وخَطْبٍ جسيم، وليعلَمْ أنها وإن غَطَّتِ الوادي فهي كالزَّبد يذهب جُفاءً، ويبقى ما فيه حياتُه ونعيمُه١ ــ الإيمان واليقين ــ مستقرًّا في القلب، يُسقى به زرعُه ويَروَى به الناس ويَسقُون به زروعَهم.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: ٢٤]، فقال: بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين٢، فبالصبر تُنفى الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات، فيصيرُ قدوةً للمؤمنين وإمامًا للمتقين، يَقتدي أهل الإرادة بصبره، وأهل العلم بيقينه. فلِواءُ الإمامة بيده، فإذا قصدَه جيشُ الشهوات ليدُقُّوا٣ اللواء اتَّقاه بالصبر، وإذا قصده جيشُ الشبهات دفعه باليقين.
فهذا هو الصدِّيق الذي يستغفرُ له مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر ودوابُّ البرِّ والأنعامُ، ويُصلِّي الله
(١) فوقها كلمة غير واضحة، ولعلها "أعني".
(٢) هذا كلام شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (٣/ ٣٥٨)، ونقل عنه المؤلف في "مدارج السالكين" (٢/ ٤٤٩)، وتكلم عليه في مواضع من كتبه، انظر: "أعلام الموقعين" (٤/ ٦٠١)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ٩٠٣)، و"عدة الصابرين" (ص ١٣٠)، و"مفتاح دار السعادة" (١/ ٢٢٥) وغيرها.
(٣) دَقَّ الشيءَ: كسَرَه أو ضربه بشيء. هذا إذا صحَّ ما في النسخة. ويمكن أن يكون "لِيدُفُّوا" بالفاء من دَفَّ الشيءَ: نَسَفَه واستأصله.