مسألة السماع

على الله وعليك، أو هذا من الله ومنك= فكيف بخيانةِ مَن قُوى قلبِهِ كلُّها مُستَغرِقةٌ في رضاءِ١ المخلوقِ والبُعدِ من سخطِهِ، وليست منزلةُ الله من قلبِهِ بهذه المنزلةِ!

فأيُّ خيانةٍ أكبرُ من هذه! وأيَّ كيدٍ يَهْدِي الله لهذا الخائنِ! وأيَّ عملٍ يُصلِحُ له! والله لا يهدي كيدَ الخائنينَ، ولا يُصلِحُ عملَ المفسدينَ.

ثم بعدَ هذه الخيانة خيانتُهُ في أمرِهِ ونهيِهِ، وكثيرًا ما تجتَمِعُ الخيانتانِ في الرجل.

وأما خيانةُ الرسول فأصلها تكذيبُ خبرِه وعصيانُ أمرِهِ:

فمن ردَّ شيئًا ممَّا أخبَرَ به لزعمه أنَّ العقلَ عارضَهُ أو الذوقَ أو الوَجْدَ، أو وَزَنَ أخبارَهُ بآراءِ الرِّجالِ وبخَيالات المُنْتَسِبِينَ إلى التصوُّفِ، فقد خانَهُ أعظمَ خيانةٍ.

ومن ردَّ أمرَه لمُعارضِ شَهوةٍ، أو طَلَبِ رياسةٍ، أو تحصيلِ مالٍ ودنيا، فقد خانَه.

  1. (١) كذا في النسخة، والأولى "إرضاء".
384

ومن لم يُحَكِّمهُ في كلِّ دقيقٍ وجليلٍ، ويَرضى وينقاد١ له انقيادًا، ويُسَلِّم له تسليمًا، فقد خانَهُ.

ومن قدَّمَ أمرَ غيره على أمرِه عندَ التَّعارضِ فقد خانَهُ.

وبهذا يُعلَمُ كثرةُ الخائنينَ وقلَّة الأمناء!

وأما خيانة الأمانات التي بين الناس فنوعان:

أحدهما: أن يكتمَ عنه نصيحةً.

والثاني: أن يعاملَه بالغِشِّ، فتكذِبُهُ إذا حدَّثتَهُ، وتُكذِّبُهُ إذا صَدَقَك، وتغدِرُ به إذا عاهَدْتَهُ، وتخُونُهُ إذا ائتَمَنَك، وتَمْنَعُهُ من حقِّه الذي قِبَلك، وتطالبُهُ بما ليس لك عندَه من الحقِّ.

ومن خيانةِ الله وخَلْقِهِ: أن يُظهِرَ من الدين والخشوع والزهد والعفاف والورع خلافَ ما يُبطِنُ؛ فيُظهِرُ ذلك ويُبطِنُ خلافَه، فهذا يتضمنُ الخيانةَ لله ولرسوله ولخَلْقِهِ ولنفسِهِ:

وأما خيانة الله: فإنه أظهر إخلاصَ العبوديَّة له، وأبطَنَ خلافَ ذلك.

وأما خيانة الرسول: فإنه أظهر طاعتَهُ ومتابعتَه، وأبطَن خلافَها.

وأما خيانتُه للنَّاس: فإنه أظهر لهم ما يحبُّونه ويحمدونَه عليه ويُكرِمونه لأجله ويقرِّبونَه عليه، وأبطن خلافَه، ولو علموا منه ما أبطنه لعامَلُوه بما ينبغي أن يُعامَلَ به، فهذا خيانتُهُ لهم.

وأما خيانتُه لنفسه: فبَخْسُها حظَّها وظلمُها ووضعُها في أردى المواضع وأخسِّها، وهي أخسُّ مراتبِ بني آدم؛ ولهذا كان منزلة هؤلاء عند الله تعالى أسفلَ سافلِينَ في الدَّرك الأسفلِ من النَّار.

  1. (١) كذا في النسخة، وهما مجزومان عطفًا على "يحكِّمْه"، فينبغي أن يكون "ويرضَ ويَنقَدْ".
385

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي