مسألة السماع

ومن لم يُحَكِّمهُ في كلِّ دقيقٍ وجليلٍ، ويَرضى وينقاد١ له انقيادًا، ويُسَلِّم له تسليمًا، فقد خانَهُ.

ومن قدَّمَ أمرَ غيره على أمرِه عندَ التَّعارضِ فقد خانَهُ.

وبهذا يُعلَمُ كثرةُ الخائنينَ وقلَّة الأمناء!

وأما خيانة الأمانات التي بين الناس فنوعان:

أحدهما: أن يكتمَ عنه نصيحةً.

والثاني: أن يعاملَه بالغِشِّ، فتكذِبُهُ إذا حدَّثتَهُ، وتُكذِّبُهُ إذا صَدَقَك، وتغدِرُ به إذا عاهَدْتَهُ، وتخُونُهُ إذا ائتَمَنَك، وتَمْنَعُهُ من حقِّه الذي قِبَلك، وتطالبُهُ بما ليس لك عندَه من الحقِّ.

ومن خيانةِ الله وخَلْقِهِ: أن يُظهِرَ من الدين والخشوع والزهد والعفاف والورع خلافَ ما يُبطِنُ؛ فيُظهِرُ ذلك ويُبطِنُ خلافَه، فهذا يتضمنُ الخيانةَ لله ولرسوله ولخَلْقِهِ ولنفسِهِ:

وأما خيانة الله: فإنه أظهر إخلاصَ العبوديَّة له، وأبطَنَ خلافَ ذلك.

وأما خيانة الرسول: فإنه أظهر طاعتَهُ ومتابعتَه، وأبطَن خلافَها.

وأما خيانتُه للنَّاس: فإنه أظهر لهم ما يحبُّونه ويحمدونَه عليه ويُكرِمونه لأجله ويقرِّبونَه عليه، وأبطن خلافَه، ولو علموا منه ما أبطنه لعامَلُوه بما ينبغي أن يُعامَلَ به، فهذا خيانتُهُ لهم.

وأما خيانتُه لنفسه: فبَخْسُها حظَّها وظلمُها ووضعُها في أردى المواضع وأخسِّها، وهي أخسُّ مراتبِ بني آدم؛ ولهذا كان منزلة هؤلاء عند الله تعالى أسفلَ سافلِينَ في الدَّرك الأسفلِ من النَّار.

  1. (١) كذا في النسخة، وهما مجزومان عطفًا على "يحكِّمْه"، فينبغي أن يكون "ويرضَ ويَنقَدْ".
385

والمقصودُ: أنَّ الشرك والكُفرَ والنِّفاقَ والفُسوقَ والعصيانَ كلَّهُ خيانةٌ، والتوحيدَ والإسلامَ والإيمانَ والبِرَّ والتَّقوى كلَّه أمانةٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ٧٢ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]، فقَسَّمَهُم في حَمْلِ الأمانةِ قسمَينِ: أهلَ الخيانةِ الذين يستحقُّون العذابَ، وأهلَ الأمانةِ الذين لهم الثوابُ. وغايةُ أهل الأمانةِ: التوبةُ. وغايةُ أهل الخيانة: النفاقُ والشِّركُ.

وسمع قارئًا يقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ١٠٥ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ١٠٦ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٧]، فقال: هاتان الآيتانِ أعظمُ ميزانٍ يُوزَنُ به أهلُ الحقِّ من أهلِ الباطل، وأعوانُ هؤلاء وأعوانُ هؤلاء. وصلاحُ الأمة بل صلاح الوجود في العمل بموجِبِهما١، وفسادُ الوجود من مخالفتهما وتعطيلهما، فلو تأمَّلتَ كلَّ صلاح في العالم لرأيتَه من إقامة حُكم هاتين الآيتين، ولو تأملت كل شرٍّ في العالمِ لرأيتَه من تعطيل حكمهما.

  1. (١) في النسخة: "بموجبها".
386

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي