مسألة السماع

مقهورٌ بينهم مُبْعَدٌ عنهم، لا يقربُونَه ولا يُعاونونه١، وكلَّما كان أشدَّ خيانةً لله ولرسوله ولدينه ولنفسه كان أقربَ إليهم وأحظى عندهم، فلا يَنْفُق٢ عندهم إلا خائنٌ أو وكيلٌ للخائنِ أو مجادلٌ عن الخائنِ مخاصمٌ عنه.

وأقرَبُ الوسائل إليهم وسيلةُ الخيانةِ، وأبعدُها عنهم وسيلةُ الأمانة؛ لأن الخيانة بينهم قد صارت هي الأمانة، والأمانةُ بدعةً ومخالفةً لما عليه الناسُ! ولو جرَّدَ رجلٌ لهم الأمانةَ لعادَوهُ ونابَذُوه، ولا يُمكِنُهُ أن يعيش بينهم إن لم يَشُبْ أمانتَه بنوعٍ من الخيانة، ويُحَسِّنْ لهم خياناتِهم، ويمدحِ الخونةَ عندَهم!

واعتبِرْ هذا بمثالٍ: وهو أن أعظم الأمانةِ توحيدُ الله تعالى ومتابعةُ رسولِهِ:

فلو جرَّدَ لهم رجلٌ التوحيدَ وأعطى الربوبيَّةَ حقَّها والعبوديَّة حقَّها، ولم يُعطِ المخلوقَ مرتبةَ الخالقِ، ولا العبدَ مرتبةَ الربِّ= لنَسَبُوه إلى تنقُّصِ الأنبياءِ والرسل والأولياء والصالحين، وهضْمِ منازلِهم، والتكلُّم فيهم بما لا يَلِيقُ. فلا يُمكِنُ الموحِّدَ أن يُجَرِّدَ التوحيدَ بين هؤلاء الخونةِ في التوحيد، وأحسنُ أحوالِه بينَهم أن يسكُتَ عن تجريدِه ولا يُوافِقَهُم في شَوْبِه بالشِّرْك. وإذا كان أعظمَ إشراكًا وأشدَّ غُلُوًّا في المخلوقِ كان

  1. (١) في النسخة والطبعة الجديدة: "ولا يعاون به". والمثبت يقتضيه السياق.
  2. (٢) في الطبعة الجديدة: "يتّفق" تحريف، وهو على الصواب في النسخة.
388

أحسنَ حالًا بينهم، وأقربَ إلى قلوبهم!

ولو جَرَّدَ لهم رجلٌ متابعةَ الرسول ﷺ، ولم يَشُبْها بغيرها، وردَّ كلَّ قولٍ خالفَ ما جاء به ولم يَلْتَفِت إليه، لنسَبُوه إلى البدعة ومخالفةٍ وإساءةِ الأدب على الأئمة، وتعدِّي طورِهم وطورِه هو أيضًا، ورأوا من الأمر بالمعروف إلزامَهُ بتركِ ما عَلِمَه من السنَّةِ لما جَهِلُوه منها، وأن يَتْرُكَ ما عَلِمَ أنَّ الرسول جاء به لِمَا قالَه فلانٌ وفلانٌ.

فتجريدُ التوحيد عندَهم تنقُّصٌ، وتجريدُ المتابعةِ عندهم بدعةٌ، والله المستعانُ وعليه التُكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.

فما أجدَرَ هؤلاء بالخيانة وأن يكونوا خُصَماءَ للخائنينَ، ومجادلِينَ عن الخائِنينَ!

وكم بيَّتُوا ويُبَيِّتُون لأهل التوحيد والمتابعة ما لا يرضاه الله من القولِ، والله بما يعملون محيطٌ، ولله القائلُ:

نَحنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولاأفلَحَ عِندَ الحساب مَن نَدِمَا١

وسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢٠ - ٢١]، فقال: هاتان الآيتان من أعظمِ كنوز القرآن، فهما كَنزان

  1. (١) البيت بلا نسبة في "الصواعق المرسلة" (٣/ ٩٤٩) و"الرسالة التبوكية" (ص ٢٢). وأنشده المأمون ونسبه إلى شاعر الشيعة في "المحاسن والمساوئ" للبيهقي (ص ٦٨).
389

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي