مسألة السماع

وقال الآخر١:

ولقد ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ شَوَاجِرٌنحوي وَبِيْضُ الهِنْدِ تَقْطُرُ من دَمِي

وهذا أقوى ما يكون من الحبِّ: أن يَذْكُرَ المُحِبُّ محبوبَهُ أخوَفَ ما يكونُ، عندما يَذْهَلُ الخليلُ عن خليلِهِ وولدِهِ، ولا يكونُ هذا إلا للشُّجعانِ الأبطالِ؛ لكمالِ بَسالتِهِم وزوالِ الخوفِ عن قلوبِهِم، فلا يُفارِقُهم ذِكْرٌ من محبوبِهِ. وأمَّا الجبانُ فالخوفُ قد خَلَعَ قلبَهُ، فلم يَبْقَ له قلبٌ يَذْكُرُ به مَن يُحِبُّهُ.

فالمجاهدون أربعةُ أصنافٍ: شجاعٌ ذاكرٌ، فهذا في الجيش يُعَدُّ بفئةٍ. وجبانٌ غافلٌ، فهذا يَكْسرُ جيشًا. وشجاعٌ غافلٌ. وجبانٌ ذاكرٌ. فالفلاحُ التامُّ للأول، وهو فضلُ الله يؤتيه من يشاء.

وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]، فقال: امتَحَنَ عبادَهُ بعضَهُم ببعضٍ، وامتَحَنَ صبرَهُم، وأخبَرَ أنَّه بصيرٌ بأهلِ الصبرِ منهم وغيرِ أهلِ الصبر، فإن لم يَصْبِرُوا على ما امتُحِنُوا به في هذه الدار امتَحَنَهم يومَ لقائِهِ بما لا صَبْرَ لهم عليه.

  1. (١) هو عنترة نفسه. والبيت من معلقته باختلاف في الرواية في "جمهرة أشعار العرب" (ص ١٦٨)، وليس في "ديوانه".
393

فامتَحَنَ الذين أُرسِلَ إليهم بالرُّسل، وآجَرَهُم بصبرِهِم على ما أَمَرُوهم به ونَهَوهم عنه، وبالصبر معهم على جهادِ مَن خالفَهم.

وامتَحَنَ الرُّسلَ بأُمَمِهِم، وأمَرَهُم بالصبرِ على ما يَنالُهم من أنواع الأذَى منهم، مِن تكذيبِ خبرِهِم، ومعصيةِ أمرِهِم، وعداوتهم.

وامتحن أتباعَهم مِن بعدِهِم بمَن خالفَهم، وأمَرَهم أن يَصبِرُوا منهم على مثلِ ما صَبَر عليه الرُّسلُ من أسلافِ هؤلاء المخالفِينَ.

وامتحن الرَّعِيَّةَ بالملوكِ والولاةِ، وأمَرَهم أن يَصْبِرُوا على جَوْرِهم وظُلْمِهِم، ولا يَخْلَعُوا رِبْقَة طاعتِهِم من أعناقِهِم، ولا يَشُقُّوا عصاهُم.

وامتحن الملوكَ والولاةَ بالرَّعِيَّةِ، وأمَرَهم أن يَصبِرُوا على طعنِهم عليهم، وعَيْبِهِم لهم، وأن يَكُفُّوا غضبَهَم عنهم، وأن يَصْبِرُوا على حوائِجِهِم، ولا يُغْلِقُوا أبوابَهم دونَهم، ولا يَحْتَجِبُوا دونَ خَلْقهم١ وحاجتِهم، وأن يُصَبِّرُوا أنفسَهم بحوائِجِهِم غايةَ طاقتِهم.

وامتحن العلماءَ بالجهَّالِ، وأمَرَهُم أن يَصْبِرُوا على لَجاجِهِم ومسألتِهِم، ولا يَتَبَرَّمُوا بهم، ولا يَدْفَعُوهم بالعنفِ والغِلْظَةِ.

وامتحنَ الفقراءَ بالأغنياء، وأمَرَهم أن يَصْبِرُوا على استئثارِهم عليهم بالطيِّباتِ وأنواعِ النَّعِيمِ، ولا يَتَسَخَّطُوا على الله إذ لم يعطِهِم ما أَعْطاهم.

  1. (١) كذا في النسخة. والمقصود: رعيتهم والمخلوقين والمحكومين لهم.
394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي