مسألة السماع

وصبره واستعاذته بربه منه، وأعان الشيطانَ على الإنسان بفجوره ونسيانه١ لربه ومعصيته لأمره.

وامتحن بدنَ الإنسان وجوارحه بنفسه، ونفسَه ببدنه وجوارحه.

ولا تزال الخصومة بين يدي الرب تعالى بين هؤلاء الممتحن بعضهم ببعض، حتى تختصم الروح والبدن بسبب ذلك الامتحان والفتنة، فيحكم بينهما بأعدل الحكم.

وجعل سبحانه حكمة هذه الفتنة والمحنة استخراجَ صبرهم وصدقهم، فمن صبر وصدق كانت الفتنة في حقه عين كماله وسعادته، ومن لم يصبر ولم يصدق كانت هذه المحنة سببَ هلاكه، فهذه المحنة عينُ حكمته، فهي كالكِيْر الذي ميَّز بين الطيب والخبيث، ولولا هذا الامتحان لما تميز هذا من هذا. وإذا عرف العبد هذا فما أولاه بالصبر والتأنّي٢ إذا علم أن العالم كله في محنة! وبالله التوفيق.

وسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الانشراح: ١ - ٤]، فقال: شرح الله صدرَ رسوله أتمَّ الشرح، ووضع عنه وِزره كل الوضع، ورفع له ذكره كل الرفع، وجعل لأتباعه حظًّا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه٣ حظ ونصيب من

  1. (١) ع: "بسيئاته" تحريف.
  2. (٢) في الأصل: "والتأسي".
  3. (٣) ع: "فلا يتابعه" تحريف.
396

حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم [١٢٤ ب] له.

فأتبعُ الناس لرسوله ﷺ أشرحُهم صدرًا، وأوضعهم وزرًا، وأرفعهم ذكرًا، وكلما قويتْ متابعتُه علمًا وعملًا وحالًا وجهادًا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبُها أشرحَ الناس صدرًا، وأرفعهم في العالمين ذكرًا. وأما وضعُ وِزرِه فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودوابُّ البر و١ البحر يستغفرون له؟

وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تَقبِضُ الصدر وتُضيِّقه، وتُخمِلُ الذكرَ وتَضَعُه، وكذلك ضيق٢ الصدر يضع الذكر ويَجلِبُ الوِزرَ، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقًا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرْحَ٣ صدره، ودَفْعَ ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرحَ بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثرُ من يُواقِع المحظورَ إنما يدفع به٤ عن نفسه ما فيها من الهمّ و٥ الغمّ والضيق، وكثيرًا ما تَبرُد شهوته وإرادته، ومع هذا

  1. (١) "البر و" ساقطة من ع.
  2. (٢) ع: "ضيقة".
  3. (٣) ع: "انشراح".
  4. (٤) "به" ليست في ع.
  5. (٥) "الهم و" ليست في ع.
397

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي