حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم [١٢٤ ب] له.
فأتبعُ الناس لرسوله ﷺ أشرحُهم صدرًا، وأوضعهم وزرًا، وأرفعهم ذكرًا، وكلما قويتْ متابعتُه علمًا وعملًا وحالًا وجهادًا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبُها أشرحَ الناس صدرًا، وأرفعهم في العالمين ذكرًا. وأما وضعُ وِزرِه فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودوابُّ البر و١ البحر يستغفرون له؟
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تَقبِضُ الصدر وتُضيِّقه، وتُخمِلُ الذكرَ وتَضَعُه، وكذلك ضيق٢ الصدر يضع الذكر ويَجلِبُ الوِزرَ، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقًا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرْحَ٣ صدره، ودَفْعَ ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرحَ بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثرُ من يُواقِع المحظورَ إنما يدفع به٤ عن نفسه ما فيها من الهمّ و٥ الغمّ والضيق، وكثيرًا ما تَبرُد شهوته وإرادته، ومع هذا
(١) "البر و" ساقطة من ع.
(٢) ع: "ضيقة".
(٣) ع: "انشراح".
(٤) "به" ليست في ع.
(٥) "الهم و" ليست في ع.
يَحرِصُ على المعاودة تداويًا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخُ الفسوق أبو نواس بقوله١:
وكأسٍ شربتُ على لذةٍوأخرى تداويتُ منها بها
فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيقَ الصدر وخمولَ الذكر، ثم خمولُ الذكر يوجب٢ له ضيقَ الصدر، [١٢٥ أ] فلا يزال المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددًا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روحَ التوحيد وتجريدَه ومحبةَ الله ورسوله وامتثالَ أمره دائرًا بين تلك المنازل الثلاث.
وإذا أُثْقِل٣ الظهر بالأوزار منع القلبَ من السير إلى الله، والجوارحَ من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافةَ السفر مُثْقَلٌ بالحمل٤ على ظهره؟ وكيف ينهض إلى الله قلب قد أثقلته الأوزار؟ فلو وُضِعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقًا إلى ربه، ولانْقلبَ عسرُه يسرًا، فإن ضيق الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسرٌ٥ يقلبه إليه، وهو تجريد التوحيد وتجريد الطاعة بمتابعة
(١) البيت ليس لأبي نواس، بل للأعشى في ديوانه (ص ١٧٣) من قصيدة مشهورة له.
(٢) ع: "لا يوجب" خطأ.
(٣) في الأصل: "ثقل".
(٤) ع: "بالكل".
(٥) ع: "ومع ذلك فإن مع هذا العسر يسر" بدل "ومعه يسر".