الرسول، وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[الانشراح: ٧ - ٨]، فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده. فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبُدِّل عُسْرُه يسرًا.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر: ١ - ٣]، فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم١ بهذه السورة لوَسِعتْهم أو كفتْهم، كما قال الشافعي ﵁: "لو فكَّر الناس في سورة والعصر لكفتْهم"٢. فإنه سبحانه قسَّم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرًا ورابحًا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة [١٢٥ ب] لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضًا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ وأوجزه وأعذبه٣ وأحسنه ديباجةً وألطفه موقعًا.
أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه.
(١) ع: "كلهم أخذوا".
(٢) انظر "تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٨٥٢).
(٣) في الأصل: "وأهذبه".
وأما التكميلان فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه.
وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر.
فصار ههنا ستة أمور: ثلاثة يفعلها في نفسه١ ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصالحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرًا بها آمرًا بها٢ متصفًا بها معلِّمًا لها داعيًا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح٣، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان.
فصل
*قال صاحب الغناء: لا ندري ما غرضك بهذه الشواهد وتكثيرها؟ ولا ندري ما تعلقها بمسألة السماع وارتباطها بها نفيًا وإثباتًا؟
*قال صاحب القرآن: الغرض بهذه الشواهد التنبيه على فتح سماع القرآن وما يثيره من كنوز العلم والإيمان، والاستغناء به عن فتح سماع الشعر وما يثيره من النفاق والشهوات، والموازنة بين هذا الذوق في