وأما كمال القوتين فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر.
فصار ههنا ستة أمور: ثلاثة يفعلها في نفسه١ ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصالحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرًا بها آمرًا بها٢ متصفًا بها معلِّمًا لها داعيًا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح٣، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان.
فصل
*قال صاحب الغناء: لا ندري ما غرضك بهذه الشواهد وتكثيرها؟ ولا ندري ما تعلقها بمسألة السماع وارتباطها بها نفيًا وإثباتًا؟
*قال صاحب القرآن: الغرض بهذه الشواهد التنبيه على فتح سماع القرآن وما يثيره من كنوز العلم والإيمان، والاستغناء به عن فتح سماع الشعر وما يثيره من النفاق والشهوات، والموازنة بين هذا الذوق في
(١) ع: "بنفسه".
(٢) "آمرًا بها" ليست في ع.
(٣) "كل الربح" ليست في ع.
القرآن الذي ذكر منه دون سَمِّ الخياط بالنسبة إلى ما وراءه وبين ذوق سماع الشعر١، فهل يجد صاحب الغناء في سماعه لطيفةً [١٢٦ أ] من هذه اللطائف التي نبَّهنا عليها أدنى تنبيه؟ وهل يمكنه أن يستثمر من الغناء فائدة من هذه الفوائد التي تُنبِت الإيمان في القلب كما يُنبِت الماء البقل؟ فإن وجد شيئًا من هذا الذوق في الغناء٢ فليُفِدنا إيّاه وليضع فيه كتابًا أو أوراقًا، أفلا يستحيي العاقل من نفسه إن لم يَستَحْيِ من الله ورسوله وعباده المؤمنين أن يعرض عن مثل هذا الذوق والمعرفة إلى ذوق الغناء الذي هو قرآن الشيطان؟ ثم لا يقنع بذلك حتى يراه قربةً وطاعة وزيادة في حاله وإيمانه، ثم لا يقنع بذلك حتى يرجحه على٣ سماع القرآن من وجوه متعددة، فوالله لو كان الأمر كما تزعمون لما سبقتم٤ صاحبَ القرآن إليه، ولزاحمكم٥ عليه أشدَّ مزاحمة، ولكن كلام الله عنده أجلُّ وأوقر وأعظم أن يزاحمه بقرآن الشيطان أو يجمع بينه وبينه، فإنه لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدٍ أبدًا٦.