القرآن الذي ذكر منه دون سَمِّ الخياط بالنسبة إلى ما وراءه وبين ذوق سماع الشعر١، فهل يجد صاحب الغناء في سماعه لطيفةً [١٢٦ أ] من هذه اللطائف التي نبَّهنا عليها أدنى تنبيه؟ وهل يمكنه أن يستثمر من الغناء فائدة من هذه الفوائد التي تُنبِت الإيمان في القلب كما يُنبِت الماء البقل؟ فإن وجد شيئًا من هذا الذوق في الغناء٢ فليُفِدنا إيّاه وليضع فيه كتابًا أو أوراقًا، أفلا يستحيي العاقل من نفسه إن لم يَستَحْيِ من الله ورسوله وعباده المؤمنين أن يعرض عن مثل هذا الذوق والمعرفة إلى ذوق الغناء الذي هو قرآن الشيطان؟ ثم لا يقنع بذلك حتى يراه قربةً وطاعة وزيادة في حاله وإيمانه، ثم لا يقنع بذلك حتى يرجحه على٣ سماع القرآن من وجوه متعددة، فوالله لو كان الأمر كما تزعمون لما سبقتم٤ صاحبَ القرآن إليه، ولزاحمكم٥ عليه أشدَّ مزاحمة، ولكن كلام الله عنده أجلُّ وأوقر وأعظم أن يزاحمه بقرآن الشيطان أو يجمع بينه وبينه، فإنه لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدٍ أبدًا٦.
(١) ع: "السماع الشعري".
(٢) "في الغناء" ليست في الأصل.
(٣) في الأصل: "عن".
(٤) ع: "لسبقهم".
(٥) ع: "لزاحمهم".
(٦) يشير إلى حديث سبق تخريجه.
*قال صاحب الغناء: فأَوجِدُونا في السنّة كراهيةَ١ رسول الله ﷺ للغناء ومَنْعَه منه أصرحَ مما ذكرتم، لنزداد بصيرة.
*قال صاحب القرآن: في بعض ما ذكرنا كفاية لمَن بصَّره الله، وقد روى أبو يعلى الموصلي في "مسنده"٢ من حديث أبي برزة٣ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فسمع رجلين يتغنيان، فقال: من هذان؟ فقيل له: فلان وفلان، فقال: "اللهم ارْكُسْهما في الفتنة رَكْسًا، ودُعَّهما إلى النار دَعًّا". فلو كان الغناء مباحًا أو قربة لم يَدْعُ عليهما.
وقد روى الطبراني [١٢٦ ب] في معجمه٤ من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "قال إبليس لربه: يا ربِّ قد أُهبِط آدم، وقد علمتُ أنه سيكون كتابٌ ورسلٌ، فما كتابهم ورسلهم؟ قال: رسلهم الملائكة والنبيون منهم، وكتبهم التوراة والزبور والإنجيل والفرقان.
(١) ع: "كراهة".
(٢) رقم (٧٤٣٧). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣) وأحمد في "المسند" (٤/ ٤٢١)، والبزار في مسنده (٣٨٥٩). وإسناده ضعيف جدًّا، مسلسل بالضعفاء والمجاهيل: يزيد بن أبي زياد ضعيف، وسليمان بن عمرو ابن الأحوص مجهول، وأبو هلال لا يعرف.
(٣) ع: "أبي هريرة" تحريف.
(٤) رقم (١١١٨١). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١١٤): فيه يحيى بن صالح الأيلي، ضعفه العقيلي. وأخرجه أيضًا أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٧٨، ٢٧٩) عن الطبراني وقال: هذا حديث غريب من حديث عبيد الله بن عمير وإسماعيل بن أمية، تفرد به عنه يحيى بن صالح الأيلي.