مسألة السماع

ونظير هذا احتجاجكم بغناء الجويريتين في بيت النبي ﷺ، وأنَّه سمعه ولم ينكره، فأخطأتم في النظر، ولم تفرقوا بين فعل النبي ﷺ وفعلكم، ولا بين فعل نافع وفعلكم، فأنتم تقصدون الاستماعَ، والسماع غير الاستماع، وكذلك١ فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع٢، فاستحبوه للمستمع، ومنهم من أوجبه عليه، بخلاف السامع. والسامع هو الذي يصل الصوت إلى مسامعه من دون قصدٍ إليه، والمستمع المصُغِي بسمعه إليه، والأول غير مذموم فيما يذم استماعه، ولا ممدوح فيما يمدح استماعه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، فمدحهم على الإعراض [١٢٨ ب] عنه، ولم يذمَّهم على سماعه إذا كان عن غير قصد منهم. وقال النبي ﷺ: "من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صُبَّ في أذنيه الآنُكُ يومَ القيامة"٣. أو كما قال.

وكذلك ما رواه الحافظ أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي في الجزء الثاني٤ من حديثه٥: حدثنا أبو نعيم ــ هو عبيد بن

  1. (١) ع: "ولذلك".
  2. (٢) "بين السامع والمستمع" ليست في ع.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٧٠٤٢) عن ابن عباس. وفي الأصل: "من حديث".
  4. (٤) ع: "الثامن".
  5. (٥) هذا الحديث أخرجه بهذا الطريق ابن حزم في "المحلى" (٩/ ٥٧)، وقال: هذا حديث موضوع مركب فضيحة، ما عُرِفَ قطُّ من طريق أنس، ولا من رواية ابن المنكدر، ولا من حديث مالك، ولا من جهة ابن المبارك. وكل من دونَ ابن المبارك إلى ابن شعبان مجهولون. قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٥/ ٣٤٩) معقِّبًا عليه: لم يُصب في دعواه أنهم مجهولون، فإن أبا نعيم ويزيد بن عبد الصمد مشهوران. وقد أخرج الدارقطني الحديث المذكور في غرائب مالك من طريقين آخرين عن أبي نعيم، وقال: تفرد به أبو نعيم عن ابن المبارك، ولا يثبت هذا عن مالك ولا عن ابن المنكدر. وقال الإمام أحمد: هذا حديث باطل. انظر "العلل" رواية المروذي (ص ٢٥٥) و"المنتخب من العلل" للخلال (ص ٤٣).
408

هشام الحلبي، وقال فيه أبو حاتم: صدوق١ ــ حدثنا ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من قعد إلى قَينةٍ يسمع منها صُبَّ يومَ القيامة في أذنيه٢ الآنك". فالقعود مع قصد السماع هو الاستماع٣. وفي بعض ألفاظه: "من قَعدَ إلى قَينةٍ يستمع منها".

وكذلك ما مدح٤ من المستمع إنما هو الاستماع والإصغاء، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

  1. (١) انظر"الجرح والتعديل" (٦/ ٥).
  2. (٢) ع: "أذنه".
  3. (٣) "فالقعود مع قصد السماع هو الاستماع" ليست في الأصل.
  4. (٤) ع: "يذم".
409

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي