هشام الحلبي، وقال فيه أبو حاتم: صدوق١ ــ حدثنا ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من قعد إلى قَينةٍ يسمع منها صُبَّ يومَ القيامة في أذنيه٢ الآنك". فالقعود مع قصد السماع هو الاستماع٣. وفي بعض ألفاظه: "من قَعدَ إلى قَينةٍ يستمع منها".
وكذلك ما مدح٤ من المستمع إنما هو الاستماع والإصغاء، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾[الأحقاف: ٢٩]. وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾[الأعراف: ٢٠٤].
(١) انظر"الجرح والتعديل" (٦/ ٥).
(٢) ع: "أذنه".
(٣) "فالقعود مع قصد السماع هو الاستماع" ليست في الأصل.
(٤) ع: "يذم".
ولا يختص بحاسة السمع، بل ما يتعلق بحاسة الشمّ والنظر واللمس كذلك، فإنَّ المُحْرِم لا يحرم عليه شيء من١ الطيب إذا حَمَلتْه الريح وألقَتْه في خياشيمِه، ولا يجب عليه سدُّ أنفِه لذلك، وإنما الذي مُنِعَ منه القصد لشمِّه واستنشاقِه وتروُّحه، وهذا شيء، ومجردُ شمِّه من غير قصدٍ شيء آخر.
وكذلك النظر، إنما المحرَّم منه قصد النظر٢ وإتباعُ النظرةِ النظرةَ، لا نظر الفُجاءةِ، ولهذا قال النبي ﷺ: "لا تُتبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى"٣. [١٢٩ أ]، وقال علي: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري٤.
وكذلك اللمس إنما المحرَّم منه قصد مسِّ بَشَرتِه بشرةَ المحرَّم، فلو وقعت بَشَرتُه على بَشَرةِ المحرَّم من غير قصد لزحمةٍ أو غيرها لم يكن ذلك حرامًا.
ولكن هل سمعتم معاشرَ أصحاب الغناء أنَّ رسول الله ﷺ أو أحدًا من أصحابه استحضر مغنيًا أو مغنية، وجلس إليها قصدًا، أو كان جالسًا
(١) ع: "شم الطيب".
(٢) "إنما المحرم منه قصد النظر" ساقطة من ع.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) هذا الحديث أخرجه مسلم (٢١٥٩) بهذا اللفظ عن جرير بن عبد الله، لا عن علي. وحديث علي هو الحديث السابق.