الأئمة [١٢٩ ب] الهداة المرشدين، لا يفرق بين هذا وهذا، ويحتجُّ على جواز الاستماع على الوجه المذكور بسماع صوت الزمارة، وسماع غناء الجويريتين، فهلَّا فعلتم مثل فعل١ الجويريات؟ وأخذتم الدفوف، وضربتم بها في الطرقات، وغنيتم بغنائهن، واقتصرتم على ذلك، ولم تضمُّوا إليه سائرَ المحرمات والقبائح؟ فلو فعلتم ذلك مع قبحه لكان أسهلَ وأقلَّ إثمًا وأدنى إلى الخلاص.
فصل
* قال صاحب الغناء: فقد روى الإمام أحمد في مسنده٢ عن عائشة أنَّ جارية من جواري الأنصار٣ أُهدِيتْ إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ: "ما الذي قالوا؟ " قالوا: لم نقل شيئًا، فقال: "الأنصار قوم فيهم غزلٌ، ألا قلتم:
أَتَيناكم أَتَيناكمفحَيُّونا نُحيِّيْكم
فهذا ندبٌ منه إلى الغناء، وتعليلٌ بأنَّ القوم الذين فيهم غزل لا يصبرون عن الغناء.
(١) ع: "ما فعل".
(٢) (٣/ ٣٩١) من طريق أجلح عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة ..، وأخرجه أيضًا النسائي في "السنن الكبرى" (٥٥٦٦)، والبزار كما في "كشف الأستار" (١٤٣٢) بهذا الطريق. وأجلح ضعيف يعتبر به. وأصل الحديث ثابت في الصحيح، فقد أخرجه البخاري (٥١٦٢) من طريق عروة عن عائشة.
(٣) ع: "الأنصاري".
* قال صاحب القرآن: هذا الحديث أولًا قد ضعَّفه الإمام أحمد ولم يصححه، ثمَّ لو صحَّ فهو ترخيص في الغناء العارض، وهو في الأعراس للنساء بغناء الأعراب، وأين ذلك من هذا السماع أو الغناء المعتاد؟ فبينه وبين غناء الأعراب المرخَّص فيه كما بين المُسْكِر والشراب الحلال، وكما بين الميتة والمذكَّاة.
وأيضًا فإنَّ غاية ما فيه قول الشعر: أتيناكم أتيناكم، ومن حرَّم مثل هذا وإن سُمّي [١٣٠ أ] غناء؟
ثمّ لو ثبت أنَّه غناء لم يلزم منه الرخصة للرجال ولا في عموم الأحوال، وقد كان عمر بن الخطاب إذا سمع صوتَ دُفٍّ قصد إليه، فإن كان في عُرسٍ تركه، وإلَّا أنكره١.
فصل
*قال صاحب الغناء٢: السماع ألطفُ غذاءٍ للأرواح عند أهل المعرفة والذوق، وما كان بهذه المنزلة كيف يُمنع منه؟
*قال صاحب القرآن: صدقتَ، فإنَّ السماع فيه تغذية للنفوس، بل هو من أقوى أغذيتها، حتى قيل: إنَّه لم يُسَمَّ غناءً إلا لأنَّه يُغني النفس٣. لكن الكلام معك في مقامين: