مسألة السماع

* قال صاحب القرآن: هذا الحديث أولًا قد ضعَّفه الإمام أحمد ولم يصححه، ثمَّ لو صحَّ فهو ترخيص في الغناء العارض، وهو في الأعراس للنساء بغناء الأعراب، وأين ذلك من هذا السماع أو الغناء المعتاد؟ فبينه وبين غناء الأعراب المرخَّص فيه كما بين المُسْكِر والشراب الحلال، وكما بين الميتة والمذكَّاة.

وأيضًا فإنَّ غاية ما فيه قول الشعر: أتيناكم أتيناكم، ومن حرَّم مثل هذا وإن سُمّي [١٣٠ أ] غناء؟

ثمّ لو ثبت أنَّه غناء لم يلزم منه الرخصة للرجال ولا في عموم الأحوال، وقد كان عمر بن الخطاب إذا سمع صوتَ دُفٍّ قصد إليه، فإن كان في عُرسٍ تركه، وإلَّا أنكره١.

فصل

*قال صاحب الغناء٢: السماع ألطفُ غذاءٍ للأرواح عند أهل المعرفة والذوق، وما كان بهذه المنزلة كيف يُمنع منه؟

*قال صاحب القرآن: صدقتَ، فإنَّ السماع فيه تغذية للنفوس، بل هو من أقوى أغذيتها، حتى قيل: إنَّه لم يُسَمَّ غناءً إلا لأنَّه يُغني النفس٣. لكن الكلام معك في مقامين:

  1. (١) سبق تخريجه (ص ٤٥).
  2. (٢) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥١٠).
  3. (٣) ع: "النفوس".
413

أحدهما: أن يقال: هل هو غذاء للنفس أو غذاء للروح؟ وهذا كلامٌ معك على١ أصلك، فإن ادَّعيتَ أنَّه غذاء للروح كانت دعوى مجردة، لا يمكنك تصحيحُها البتةَ، فإنَّ ما يجده صاحبه فيه٢ من التغذية أمر معلوم، ولكن من أين له أنَّه٣ غذاء لقلبه وروحه وليس غذاءً لنفسه؟

ثمَّ نتبرع لك بالدليل على أنَّه من أعظم أغذية النفس، فإنَّه محض حقها وحظها وشهوتها، وليس من الحق الواجب عليها المراد منها، وما هذا شأنه فهو مجرد حظ النفس وغذاؤها. وهذا بيِّن لمن له فُرقانٌ بين قُوتِ قلبه وروحه وقُوتِ نفسه. وقبيح بالسالك الصادق أن يُؤثِر حظَّ نفسه وإرادتها على حق ربه ومراده منه، حتى يفنى بحظه عن الحق الذي عليه، بل يبلغُ به تلبيسُ النفس والشيطان إلى أن يُصيِّر محضَ حظِّه [١٣٠ ب] وقُوتَ نفسه هو الطريق إلى الله، ويجعله طريقَ٤ الخواص، وطريقةَ الأمر واتباع الرسول عنده طريقةَ العوام.

ولهذا جعل الجنيدُ الزاعمين أنهم يَصِلُون إلى الله بهذه الطريق واصلين إلى سَقَر٥. وصدق فإنَّ الله لا يُوصَل٦ إليه إلا من الطريق

  1. (١) في الأصل: "إلى على".
  2. (٢) في الأصل: "به".
  3. (٣) "أنه" ليست في ع.
  4. (٤) في الأصل: "الطريق".
  5. (٥) سبق نحوه عن أبي علي الروذباري.
  6. (٦) في الأصل: "يصل".
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي