التي١ فَتحَها ونَهَجَها على ألسُن رسله٢، ونصبَها لعباده، وسدَّ جميع الطرق إليه دونها، فلم يفتح لأَحد قط إلا من تلك الطريق، فالسالك من غيرها لا يصل إليه أبدًا، وكل من لم يصل إليه فهو واصل إلى سقر. قال أبو القاسم الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريق رسول الله ﷺ "٣. وقال: "يقول الله عزوجل: "وعزَّتي وجلالي، لو أتَوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما٤ فتحتُ لهم حتى يدخلوا خلفك"٥.
المقام الثاني: أن أغذية النفوس تنقسم إلى طيب وخبيث، وحلال وحرام، كما تنقسم أغذية الأبدان، وليس كل ما يُغذى٦ به الإنسان في بدنه أو نفسه يكون طيبًا. ولا ريبَ أن سماع الألحان والمعازف المحرمة يتغذى به أهله تغذيةً قوية، وكلما كان السامع أجهل كان غذاؤه به أقوى، كما يُغذى٧ به الأطفال وضعفاء العقول، ولهذا يشتدُّ تأثيره في النساء وأهل البوادي والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته.
(١) ع: "الذي".
(٢) في الأصل: "رسوله".
(٣) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٧٩) و"حلية الأولياء" (١٠/ ٢٥٧).
(٤) في الأصل: "ما".
(٥) ذكره المؤلف في "طريق الهجرتين" (ص ٩) و"جلاء الأفهام" (ص ٣٥٩).
(٦) ع: "تغذى".
(٧) ع: "تغذى".
فأما السماع الشرعي فهو أصلح الأغذية وأطيبها وأنفعها للعارفين، وهو غذاء قلوبهم الذي لا يُشبَع منه، كما قال إمام أهل هذا السماع [١٣١ أ] عثمان بن عفان ﵁: "لو طَهُرتْ قلوبنا لما شبِعتْ من كلام الله"١. وفي صفة القرآن: "لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء"٢. فهو قوتُ القلوب وغذاؤها، ودواؤها من أسقامه وشفاؤها٣، وأما السماع الشعري الشيطاني فهو سُحْتٌ، وقلب تَغذَّى بالسُّحت بعيدٌ من الله، غير الله أولى به.
فصل
*قال صاحب الغناء٤: شأن القوم الذين أنكرتم عليهم السماع شأن آخر، وإشاراتهم التي يتلقَّونها من السماع غير إشارات أهل اللهو واللعب٥
(١) سبق تخريجه.
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه الدارمي (٣٣٣١) والترمذي (٢٩٠٦) والبزار في "مسنده" (٨٣٦) من طريق أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث عن الحارث الأعور عن علي مرفوعًا. وأبو المختار وابن أخي الحارث مجهولان. وقال الترمذي: هذا حديث غريب ... وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال. وأخرجه أحمد (١/ ٩١) والبزار (٨٣٤) وأبو يعلى (٣٦٧) من طريق ابن إسحاق قال: وذكر محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور به. والحارث ضعيف كما ذكرنا، ثم هو منقطع بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب.
(٣) في الأصل: "غذاؤه ودواؤه ... وشفاؤه".
(٤) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥١٠). والنصوص المنقولة عن الصوفية كلها فيها.