والبطالة، وإن كان ظاهره محذورًا١ أو مكروهًا. ولهذا سئل الشبلي عن السماع فقال: ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشاراة٢ حلَّ له السماع بالعبرة، وإلا فقد استدعى الفتنةَ وتعرض للبلية.
ولهذا قال بعض العارفين: لا يصلح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حيٌّ، فنفسُه ذُبِحَتْ بسيوف المجاهدة، وقلبُه حيَّ بنور المشاهدة.
وسئل أبو يعقوب النهرجوري عن السماع، فقال: حال تُبدِي الرجوع إلى الأسرار من حيث الإحراق.
وقالوا: السماع على قسمين:
سماع بشرط العلم والصحو، فمن شرطِ صاحبه معرفة الأسماء والصفات، وإلا وقع في الكفر المحض.
وسماع بشرط الحال، فمن شرطِ صاحبه الفناء عن أحوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة.
وسئل رُوَيم عن وجود٣ الصوفية عند السماع، فقال: [١٣١ ب] يشهدون المعاني التي تَعزُب عن غيرهم، فتشير إليهم إليَّ إليَّ، فيتنعمون
(١) ع: "محظورًا".
(٢) في الأصل: "الإشارات".
(٣) جمع وَجْد. أو مصدر بمعنى التواجد. وفي ع: "وَجْد".
بذلك من الفرح، ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء، فمنهم من يَخرِق١ ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي، كل إنسان على قدره.
وقال الحصري: أيشٍ أعملُ بسماع ينقطع إذا انقطع من يسمع منه؟ ينبغي أن يكون سماعك سماعًا متصلًا غير منقطع، وينبغي أن يكون ظَمَأ دائم وشربٌ دائم٢، فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤُه٣.
وقالوا: السماع نداء٤، والوجدُ قصْد.
وقال أبو عثمان المغربي: قلوب أهل الحق حاضرة وأسماعهم مفتوحة.
وقال أبو سهل الصعلوكي: المستمع بين استتارٍ وتجلٍّ، فالاستتار يوجب التلهُّب، والتجلِّي يوجب الترويح، والاستتار يتولد منه حركات المريدين، وهو محل العجز والضعف، والتجلي يتولد منه سكونُ الواصلين، وهو محل الاستقامة والتمكين، وذلك صفة الحضرة، ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾[الأحقاف: ٢٩].