فوجه منها للمريدين والمبتدئين، يستدعون بذلك الأحوالَ٢ الشريفة، ويُخشَى٣ عليهم في ذلك الفتنةُ والمراآةُ.
والثاني: للصادقين، فيطلبون الزيادة في أحوالهم، ويستمعون من ذلك ما يوافق أوقاتهم.
والثالث: لأهل الاستقامة [١٣٢ أ] من العارفين، فهؤلاء لا يختارون على الله فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون.
وقد حكي عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال: سألت أبا سليمان عن السماع، فقال: من اثنينِ أحبُّ إليَّ من واحد. وأبو سليمان ممن لا يُدفَع٤ محلُّه عن الإمامة والمعرفة.
وسئل أبو الحسين النوري عن الصوفي، فقال: من سمع السماع وآثر الأسباب.
وقال أبو عثمان المغربي: من ادَّعى السماع ولم يسمع صوت الطيور٥ وصرير الباب وصفير الرياح، فهو مفترٍ مدَّعٍ.
(١) ع: "أبو عمر" تحريف.
(٢) في الأصل: "أحوال".
(٣) ع: "ونخشى".
(٤) ع: "ندفع".
(٥) ع: "الطنبور" تحريف.
وكان بعض المشايخ ممن صحب الجنيد يحضر موضعَ السماع، فإن استطابه فرشَ إزاره وجلس، وقال: الصوفي مع قلبه، وإن لم يستطبه قال: السماع لأرباب ا لقلوب، وأخذ نعله ومرَّ.
* قال صاحب القرآن: الكلام على ما ذكرتَه من هذه الكلمات من وجهين: مجمل ومفصل.
أما المجمل: فإنه ليس فيها من أدلة الشرع التي تَثبُت بها الأحكام الخمسة شيء١، فليس فيها ما يقتضي إباحةً ولا استحبابًا ولا مدحًا ولا ذمًّا، وغايتها حكايات عن أقوام، أخبر كل منهم عن حاله ووجده في السماع، فأيُّ برهانٍ في هذا؟ وأي دليل لمن نصح نفسه وألهم رشده ووقاه الله شرَّ نفسه، حتى يجعل هذه الحكايات قدوة، ويدعو الناس بها إلى قرآن الشيطان وسماعه والتقرب به إلى الله؟
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌوإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظم٢
وأما الوجه المفصل [١٣٢ ب] فنذكر ما في كل جملة من هذا الكلام من الحق والباطل، وما يحتمل الأمرين، ونعطي كل ذي حق حقَّه، قضاءً لحق٣ النصيحة، واتباعًا لمرضاة الرب تعالى، وبراءةً من العصبية، وإيثارًا للعلم والعدل، ولا قوةَ إلا بالله.