القرآن، فإنه إنما وُضِع للفتنة لا للعبودية، وللنفاق لا للإيمان، وللفسوق والزنا لا للرشد والصلاح، وما جاء منه غير ذلك فبالعرض لا بالقصد.
والفتنة فيه من وجهين: من جهة البدعة في الدين، ومن جهة الفجور.
أمَّا البدعة فلِما١ يحصل به من الاعتقادات الفاسدة التي لا تَصلُح لله٢، هذا مع ما يصدُّ عنه من الاعتقادات الصالحة والعبادات النافعة، إمّا بطريق المضادَّة، وإمّا بطريق الاشتغال، فإن النفس تشتغل وتستغني بهذا عن هذا.
وأمّا الفجور في الدنيا فلِما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم والبغي٣، فأصول المحرمات الأربعة٤ قد تحصل فيه، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: ٣٣].
فصل
وأمّا قول رُوَيم: وقد سئل عن وجود الصوفية عند السماع فقال:
(١) في الأصل: "فما".
(٢) في الأصل: "إلَّا الله" تحرف المعنى.
(٣) "والبغي" ليست في الأصل.
(٤) ع: "أربعة".
"يشهدون المعاني التي تَعزُب عن غيرهم، فتشير إليهم إليَّ إليَّ"، فهذا وصف لما يعتريهم من الحال، وليس في ذلك [١٣٦ ب] ما يقتضي مدحًا ولا ذمًّا. وغايته١ أنهم يشهدون بقلوبهم معاني يفرحون بها، والفرح يتبع المحبة، فمَن أحبَّ شيئًا فرحَ بوجوده وتألم بفقده، والمحبوب المفروح به قد يكون نافعًا وقد يكون ضارًّا، فإن٢ كان نافعًا كانت محبته حقًّا، وإن كان ضارًّا كانت محبته باطلًا. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾[البقرة: ٩٣].
وقد يكون العبد محبًّا لله صادقًا في ذلك، لكن يكون ما يشهده من المعاني المفرحة خيالاتٍ لا حقيقةَ لها، فيفرح بها، ويكون فرحُه بغير الحق، وذلك مذموم، فيكون له نصيب من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾[غافر: ٧٥]. وما أوفرَ نصيبَ السماعاتية من هذا الفرح والمرح! وما أشدَّ الخوفَ عليهم مما ذكر بعده! وإلى الله الرغبة في التوفيق.