وأما قوله: "السماع نداء والوجد قصد" فهذا الكلام١ مطلق مجمل، فإنَّ المستمع يناديه ما يسمعه بحقٍّ تارةً وبباطلٍ أخرى، والواجد قاصدٌ مجيبٌ للمنادي الذي قد يدعو إلى حق، وقد يدعو إلى باطل، فإنَّ الواجد يجد في نفسه إرادةً وقصدًا للإجابة لمن ناداه، إلى٢ ما تدعوه نفسه إليه، فأهل الوجد والقصد الصحيح قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ١٩٣ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]. أجابوا مناديَ الإيمان إذ نادى بهم: حيَّ على الفلاح، وواصلوا السيرَ إليه مع الدليل بالغُدوِّ والرَّواح، وفَنُوا بمراده عن مرادهم، فبذلوا أنفسَهم في مرضاته بَذْلَ المحبِّ بالرضا والسماح، وسيَحْمدون عند اللقاء مَسْرَاهم، فإنما يَحمَدُ القومُ السُّرَى عند الصباح٣.
(١) ع: "كلام".
(٢) في الأصل: "إلا".
(٣) سبقت الإشارة إلى أنه مثل في أول الكتاب.
وأهل الغناء ناداهم١ منادي الشيطان: حيَّ على رُقيةِ الزنا ورائدِ الفسوق والعصيان، فأجابوه بلبَّيكَ داعيَ الشهوات وسَمْسَارَ اللذات! ها نحن لدعوتك مستجيبون، وفي مرضاتك مسارعون، نحن قوم ندورُ حولَ قُطبِ رَحَا الطيبات، ونقطع هذه الأوقات بما يناسب الأوقات، إذا أبدَتْ [١٣٨ ب] لنا الطيباتُ ناجذَها طِرْنا إليها زَرافاتٍ ووُحدانًا٢،
فإذا لاح لنا وجهُ الشاهد انقادت له قلوبنا محبةً وإذعانًا، فما لنا ولثقيل الدم كثيف الطباع؟ يأمر بالاشتغال بالتلاوة والتسبيح وأوراد العبادة، وينهانا عن السماع، كأنه ما سمع قول شاعرنا:
يا عاذلي أنتَ تنهاني وتأمرُنيوالوجدُ أصدقُ نَهَّاءٍ وأَمَّارِ
وإن٣ أُطِعْكَ وأَعْصِ الوجدَ رُحْتُ عَمًىعن اليقينِ إلى أوهامِ أخبارِ٤
ولا قول من تقدمه:
خُذْ ما تراه ودَعْ شيئًا سمعتَ بهفي طلعةِ البدر ما يُغْنيكَ عن زُحَلِ٥
(١) ع: "نادى".
(٢) نظر المؤلف إلى البيت المشهور لقُريط بن أُنَيف: قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجذَيْه لهم ... طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانَا انظر حماسة أبي تمام (١/ ٥٨).
(٣) ع: "فإن".
(٤) البيتان للعفيف التلمساني كما في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٢٥٩، ٤٧٣) و"الجواب الصحيح" (٤/ ٣٩٨) و"نقض التأسيس" (٢/ ٥٣٩).
(٥) البيت للمتنبي في ديوانه (٣/ ٢٠٥). وقد سبق الشطر الأول منه.