مسألة السماع

وأهل الغناء ناداهم١ منادي الشيطان: حيَّ على رُقيةِ الزنا ورائدِ الفسوق والعصيان، فأجابوه بلبَّيكَ داعيَ الشهوات وسَمْسَارَ اللذات! ها نحن لدعوتك مستجيبون، وفي مرضاتك مسارعون، نحن قوم ندورُ حولَ قُطبِ رَحَا الطيبات، ونقطع هذه الأوقات بما يناسب الأوقات، إذا أبدَتْ [١٣٨ ب] لنا الطيباتُ ناجذَها طِرْنا إليها زَرافاتٍ ووُحدانًا٢،

فإذا لاح لنا وجهُ الشاهد انقادت له قلوبنا محبةً وإذعانًا، فما لنا ولثقيل الدم كثيف الطباع؟ يأمر بالاشتغال بالتلاوة والتسبيح وأوراد العبادة، وينهانا عن السماع، كأنه ما سمع قول شاعرنا:

يا عاذلي أنتَ تنهاني وتأمرُنيوالوجدُ أصدقُ نَهَّاءٍ وأَمَّارِ
وإن٣ أُطِعْكَ وأَعْصِ الوجدَ رُحْتُ عَمًىعن اليقينِ إلى أوهامِ أخبارِ٤

ولا قول من تقدمه:

خُذْ ما تراه ودَعْ شيئًا سمعتَ بهفي طلعةِ البدر ما يُغْنيكَ عن زُحَلِ٥
  1. (١) ع: "نادى".
  2. (٢) نظر المؤلف إلى البيت المشهور لقُريط بن أُنَيف:
    قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجذَيْه لهم ... طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانَا
    انظر حماسة أبي تمام (١/ ٥٨).
  3. (٣) ع: "فإن".
  4. (٤) البيتان للعفيف التلمساني كما في "مجموع الفتاوى" (٢/ ٢٥٩، ٤٧٣) و"الجواب الصحيح" (٤/ ٣٩٨) و"نقض التأسيس" (٢/ ٥٣٩).
  5. (٥) البيت للمتنبي في ديوانه (٣/ ٢٠٥). وقد سبق الشطر الأول منه.
436

والله يشهد وكفى بالله شهيدًا أنَّ هذا حال كثير من السماعاتية لا كلهم، ويحتجُّون على حِلّ هذا السماع بحضور من حضره من الصادقين، الذين برَّأَهم الله من هؤلاء الأراذل براءةَ المسيح من عُبَّادِ الصليب، ولكن سماع الغناء اسم جنسٍ هذا فردٌ من أفراده، وهو سماعُ كثيرٍ ممن يتقرب بالسماع ويراه صلاحًا لقلبه، أو أكثرِهم في هذا الزمان.

ولا أعني بذلك أصغرِيهمولكنِّي أريدُ به الذَّوينا١

فصل

وأما قول أبي عثمان المغربي: "قلوب أهل الحق حاضرة وأسماعهم مفتوحة"، فكلام صحيح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، قالوا: معناه: حاضر القلب ليس بغائبه. وتأملْ قوله ﷿: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، فجعله ذِكرى لمن جمع بين القلب [١٣٩ أ] الحيّ وأصغى بسمعه وحضر بقلبه، كما يفعله كثير من السماعاتية عند السماع الشيطاني، كيف تَنفتِحُ له صدورهم، وتُصغي إليهم أسماعُهم، وتَشهدُهُ قلوبهم، فإذا جاء السماع الإيماني فهم صُمٌّ بكمٌ عميٌ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. والظاهر

  1. (١) البيت للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه (٢/ ١٠٩) و"خزانة الأدب" (١/ ١٣٩)، وبلا نسبة في "مدارج السالكين" (٣/ ١٣١).
437

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي