ــ والله أعلم ــ أنَّ أبا عثمان إنما أراد أهلَ١ السماع الإيماني القرآني، فإنهم٢ أهل الحق، ولم يُرِدْ أهلَ السماع الشعري الشيطاني، فإنَّهم لا قلوبٌ لهم٣ حاضرة ولا أسماعٌ مفتوحة.
فصل
وأما قول أبي سهل الصعلوكي٤: "المستمع بين استتارٍ وتجلٍّ" إلى آخر كلامه، فهو كلام دال على أحوال أهل السماع، وهو مطلق يتناول السماع الشرعي والبدعي، لكن هو إلى وصف حال أهل السماع٥ المحدث أقربُ، وهو وصف لبعض أحوالهم، فإنَّ أحوالهم أضعافُ ذلك.
وأما استدلاله بالآية فما أبعَدها مما استدل بها٦ عليه! فإنَّ الآية إنما سِيْقَتْ للإخبار٧ عن الجن الذين صرفهم الله إلى رسوله يستمعون القرآن، ليقيم عليهم حجةً وليبلِّغوا مَنْ وراءهم، فأنصتوا لاستماعه، ليعلموا حقيقته ويفهموه ويحفظوه، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ
(١) "أهل" ليست في ع.
(٢) ع: "فإنه سماع".
(٣) "لهم" ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: "الصعوكي" تحريف.
(٥) "السماع" ليست في ع.
(٦) في الأصل: "به".
(٧) ع: "إخبارًا".
مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. فصاروا باستماعه مؤمنين، وبتبليغه عن رسول الله ﷺ منذرين، وهذا شأن كل مَنْ سمع مِنْ رسول الله ﷺ وبلَّغ عنه.
[١٣٩ ب] فصل
وأما قول أبي عثمان: "السماع على ثلاثة أوجه" إلى آخره، فهو كلام مطلق، يحتمل سماع الآيات، ويحتمل سماع الأبيات١، ويحتمل ما هو أعمُّ من ذلك، ولكن هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها لا تحصل إلَّا بالسماع الذي يحبه الله ويرضاه، فإنَّ الأحوال الشريفة إنما تُستثمَر من شجرته ويُؤتَى إليها من بابه، ولا يُخشَى على أهله فيه فتنةٌ ولا مُراآة إلَّا كما يُخشَى عليهم في سائر الطاعات، ودواؤهم باستعمال الصدق والإخلاص. وكذلك السماع للطائفة الثانية الذين يطلبون به الزيادة في أحوالهم، فإنَّ أحوالهم٢ إن كانت مستقيمة محبوبة لله مرضية له، لم يحصل فيها الزيادة إلا بالسماع الذي يحبه ويرضاه٣، وإن كانت غير مستقيمة أمكن حصول المزيد فيها بالسماع الشعري.
وأما سماع أهل الاستقامة من العارفين فلا يمكن أن يكون غير السماع الذي تكمل به استقامتهم ومعارفهم، وإلا لم يكونوا مستقيمين ولا عارفين، وهو السماع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى