مسألة السماع

مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. فصاروا باستماعه مؤمنين، وبتبليغه عن رسول الله ﷺ منذرين، وهذا شأن كل مَنْ سمع مِنْ رسول الله ﷺ وبلَّغ عنه.

[١٣٩ ب] فصل

وأما قول أبي عثمان: "السماع على ثلاثة أوجه" إلى آخره، فهو كلام مطلق، يحتمل سماع الآيات، ويحتمل سماع الأبيات١، ويحتمل ما هو أعمُّ من ذلك، ولكن هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها لا تحصل إلَّا بالسماع الذي يحبه الله ويرضاه، فإنَّ الأحوال الشريفة إنما تُستثمَر من شجرته ويُؤتَى إليها من بابه، ولا يُخشَى على أهله فيه فتنةٌ ولا مُراآة إلَّا كما يُخشَى عليهم في سائر الطاعات، ودواؤهم باستعمال الصدق والإخلاص. وكذلك السماع للطائفة الثانية الذين يطلبون به الزيادة في أحوالهم، فإنَّ أحوالهم٢ إن كانت مستقيمة محبوبة لله مرضية له، لم يحصل فيها الزيادة إلا بالسماع الذي يحبه ويرضاه٣، وإن كانت غير مستقيمة أمكن حصول المزيد فيها بالسماع الشعري.

وأما سماع أهل الاستقامة من العارفين فلا يمكن أن يكون غير السماع الذي تكمل به استقامتهم ومعارفهم، وإلا لم يكونوا مستقيمين ولا عارفين، وهو السماع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى

  1. (١) "ويحتمل سماع الأبيات" ساقطة من ع.
  2. (٢) "فإن أحوالهم" ساقطة من ع.
  3. (٣) "ويرضاه" ليست في ع.
439

الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].

فصل

وأما ما حُكي عن أبي سليمان أنه قال: "السماع من اثنين أحبُّ إليَّ من واحد"، فنقل مجمل منقطع لا نعلم١ صحته، عن غير معصوم، فلا يفيد إلا تسويدَ [١٤٠ أ] الورق والوجوه، ثمّ لو صحَّ فليس فيه ذكر المسموع. والظاهر أنَّه أراد سماع القرآن، لا السماع الشيطاني سماع الغناء. فإنَّ أبا سليمان قدس الله روحه لم يكن من رجال سماع الغناء ولا معروفًا بحضوره، كما أنَّ الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم ومعروفًا الكرخي وأمثالهم لم يكونوا من أهل هذا السماع، بل هم من أعظم الناس براءةً منه.

وهذه٢ مسألة اختلف فيها أهل العلم، وهي قراءةُ الجماعة بصوت واحدٍ، فكرهها طائفة، واستحبُّوا٣ قراءة الإدارة وهي: أن يَقرأ هذا ثمّ يسكت، فيقرأ الآخر، حتى ينتهوا. واستحبتها طائفة، وقالوا: تعاونُ الأصواتِ يكسو القراءة طيبًا وجلالةً وتأثيرًا في القلوب. وتأملْ هذا في تعاون الحركات بالآلات المطربة كيف يُحدِثُ لها كيفيةً أخرى؟

  1. (١) ع: "يعلم".
  2. (٢) في الأصل: "وهذا".
  3. (٣) ع: "واستحسنوا".
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي