فإنَّ الهيئة الاجتماعية لها من الحكم ما ليس لأَفرادها. وفصَّلتْ طائفة ثالثة١، وقالوا: كان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ والباقون يستمعون، فلم يكونوا يقرأون جملةً، ولم يكونوا يُدِيرون القراءة، بل القارئ واحد، والباقون مستمعون٢، ولا ريب أنَّ هذا أكمل الأمور الثلاثة، والله أعلم٣.
فصل
وأما قول أبي الحسين النوري: "الصوفي من سمع السماعَ وآثر الأسباب"، فهذا أيضًا من جنس ما قبله، فلا يُعتمد عليه. ولعل النوري إنما أراد به٤ الصوفي [١٤٠ ب] المذموم لابسَ ثوبَي الزور٥، فإنه جمع بين إيثار السماع الذي يدل على البطالة وضعف الإرادة والعبادة، وآثر٦ الأسباب التي تُضعِف توكُّلَه واعتماده على المسبب، فضعف من قلبه سلطانُ "إياك نعبد" بإيثار السماع والبطالة، وسلطانُ "إياك نستعين" بإيثار الأسباب وضعفِ التوكل. وإلا فالنوري أجلُّ من أن يجعل هذا شرطًا في الصوفي المحقق.
(١) "ثالثة" ليست في الأصل.
(٢) ع: "يستمعون".
(٣) في ع بعدها: "وأحكم".
(٤) "الصوفي ... أراد به" ساقطة من ع.
(٥) بعدها في ع: "إلى آخر كلامه".
(٦) كذا في النسختين، والأولى: "وإيثار" عطفًا على ما سبق.
فصل
وأما قول أبي عثمان المغربي: "من ادعى السماعَ ولم يسمع صوتَ الطيور١ وصريرَ الباب وصفيرَ الرياح فهو مفترٍ مُدَّعٍ"، فظاهره مُنكَر مستبشَع، ومراده به أن اعتباره بالسماع لا يختص بنوع واحد، بل أي نوع سمعه من الأصوات المجردة أو الأصوات التي معها الحروف حرَّك ساكنَه وأزعجَ قاطِنَه، فإن في قلبه من الحب ولهيب الشوق ما لا يَقْصُر٢ تحريكه على نوع واحد من المسموع، بل كل مسموع يُحرِّكه، بخلاف المفتون، فإنه يقتصر على السماع الذي يحبه أهل الفتنة٣، ولا يُحرِّكه سواه، ولا يتأثر بغيره، فهذا يدل على أنه مُدَّعٍ مفترٍ. فهذا مَحمل٤ كلامه، وليس فيه بيانُ مرتبة المسموع، والفرق بين ممدوحه ومذمومه وحلاله وحرامه، وإنما فيه تحريكه باختلاف أنواعه لصاحب [١٤١ أ] المحبة واعتباره به. وقد تقدم إشباع الكلام في ذلك.
فصل
وأما كون ذلك الصوفي "كان يحضر مواضعَ السماع فإن استطابه فرشَ إزارَه وجلس، وقال: الصوفي مع قلبه، وإن لم يَستطِبْه مرَّ وأخذ
(١) في النسختين: "الطنبور". والمثبت هو الملائم للسياق.